الرئيس ، رحمه اللّه ، في نفر من مماليكه المروقة إلى بعض بساتينه ، فلمّا قضى وطره ، وهمّ بالخروج عنه ، اعترضه القوم عند بابه ، فالتفّوا به ، وأشعروه غرضهم فيه ، وجاءوا به إلى بعض القصور بظاهر البلد ، فجعلوه به تحت رقبة ، وقد بادر ولده القصبة ، فاستولى عليها من غير ممانعة ؛ لعدم استرابة ثقاته به ، إلّا ما كان من خائن يتولّى القيام ببعض أبوابها همّ بسدّه ، فطاح لحينه ، وتمّ لولده الاستبداد بالأمر ، واستولى على النّصب والذخيرة وباقي المال ، ونقل الرئيس إلى معقل قرطبة ، فلمّا خلص الأمر لولده ، انتقل إلى معقل شلوبانية ، فلم يزل به لا يبرح عن باب قصره ، مرفّها عليه إلى أن قضى نحبه .
وفاته : في الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعمائة ، توفي ، رحمه اللّه ، بشلوبانية ، وجيء بجنازته محمولا على رؤوس صدور الدولة ووجوه رجالها ، متناغين في لباس شعار الحزن بما لم يتقدّم به عهد ، ودفن بمقبرة السّبيكة ، وولده أمير المسلمين واقف بإزاء لحده ، مظهر الاكتراث لفقده ، وعلى قبره الآن مكتوب نقشا في الرخام البديع ما نصّه :
« هذا قبر علم الأعلام ، وعماد دين الإسلام ، جواد الأجواد ، أسد الآساد ، حامي الثغور وممهّد البلاد ، المجاهد في ذات اللّه حقّ الجهاد ، شمس الملك وبدره ، وعين الزمان وصدره ، الكريم الأخلاق ، الطاهر الذات والأعراق ، الذي سار ذكره في الآفاق ، وخلّد من فضائله ما تتحلّى به ظهور المنابر وبطون الأوراق ، كبير الإمامة النّصرية ، وعظيم الدولة الغالبية ، فرع الملك وأصله ، ومن وسع الأنام عدله وفضله ، مخلّد الفخر الباقي على الأعصار ، والعمل الصالح الذي ينال به الحسنى وعقبى الدار ، بسلالته الطاهرة الكريمة المآثر والآثار ، الإمام الرضي ناصر دين المختار ، المنتخب من آل نصر ونعم النسب الكريم في الأنصار ، الهمام ، الأكبر ، الأشهر ، المقدم ، المرحوم ، الأطهر ، أبو سعيد بن الإمام الأعلى ، ناصر دين الإيمان ، وقاهر عبدة الصلبان ، صنو الإمام الغالب بالله ، ومجهز الجيوش في سبيل اللّه ، سهام العدا ، وغمام النّدى ، وضرغام الحروب ، ذي البأس المرهوب ، والجود المسكوب ، بطل الأبطال ، ومناخ الآمال ، المجاهد ، الظاهر ، المقدّس ، المرحوم ، أبي الوليد بن نصر ، قدّس اللّه مضجعه ، ورقاه إلى الرفيق الأعلى ورفعه . كان ، رضي اللّه عنه ، وحيد عصره ، وفريد دهره ، علت في سماء المعالي رتبه ، وكرم من أمير المسلمين صهره ونسبه ، فلا يزاحم مكانه ، ولا يدانى منصبه ، نفذت أحكامه في الشرق والغرب ، ومضت أوامره في العجم والعرب ، إلى أن استأثر اللّه به ، فكانت وفاته ليلة الخميس الرابع عشر لشهر ربيع الأول من عام عشرين وسبعمائة ، وكان مولده يوم الجمعة
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 205
مساهمون: لسان الدين ابن الخطيب
ص٢٠٥