تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
محنته : قال « 1 » : وكان مع ذلك منقطعا إلى سليمان ابن الأمير عبد الرحمن بن معاوية ، كثير المدح له ، على أنه ما أخلى الأمير هشاما من مدحه ، وهو مع ذلك لا يسأل سخيمته وحقده عليه ؛ لانحطاطه في شعب سليمان أخيه ، وبينهما من التنافس والمشاحة ما لا شيء فوقه . وروي « 2 » أن الذي هاج غضب هشام عليه ، أن قال له الساعي عليه : قد عرّض بك بقوله في مديح أخيك سليمان في شعر له فيه منه « 3 » : [ الوافر ]
وليس كمثل من إن سيل عرفا « 4 » * يقلّب مقلة فيها اعورار « 5 »
وكان هشام أحول ، فاغتاظ لذلك . وركب فيه من المثلة وركبه ، وحقد عليه ، إلى أن استدعاه إلى مدينة ماردة ، وهشام يومئذ وإليها في حياة الأمير أبيه ، فخرج إليه أبو المخشي من قرطبة ، طامعا في نائله ، غير مرتاب بباطنه ، فلمّا دخل عليه قال له : يا أبا المخشي ، إن المرأة الصالحة التي هجوت ابنها فقذفتها ، فأفحشت سبّها ، قد أخلصت دعاءها للّه في أن ينتقم لها منك ، فاستجاب لها ، وسلّطني وتأذّن بالاقتصاص لها على يدي منك ، ثم أمر به فقطع لسانه ، وسمّلت عيناه ، وعولج من جراحه ، فاستقل منها ، وعاش زمنا ممثّلا به . فأما لسانه ، فانجبر بعيد وقت إلّا قليلا ، واقتدر على الكلام إلّا تلعثما كان يعترضه ، واستمرّ العمى ، فعظم عليه مصابه ، فكثرت في شكواه أشعاره . قال : ويذكر أن قصة أبي المخشي في نبات لسانه ، لما بلغت مالك بن أنس ، أشار إليها في فتواه في التأنّي بديّة اللسان طمعا في نبتها ، وقال : يتأنّى بالحكم عاما ، فإن نبت أو شيء منه ، عمل في ديّته بحسب ذلك ، فقد بلغني أن رجلا بالأندلس نبت لسانه أو أكثره بعدما قطع ، فأمكنه الكلام . شعره : قالوا : وبلغ الأمير عبد الرحمن بن معاوية صنيع ابنه هشام بمادحهم أبي المخشي ، فساءه وكتب إليه يعنّفه ، وأوصل أبا المخشي إليه عند استيلائه بعد حين ، فاعتذر إليه ورقّ له ، وأنشده بعض ما أحدثه بعد ، فكان لا يبين الإنشاد ، فينشد له صبيّ كان قد علّمه ودرّبه ، فأنشده قصيدته التي وصف فيها عماه وأولها « 6 » :
هامش
( 1 ) قارن بالذيل والتكملة ( ج 5 ص 102 ) . ( 2 ) قارن بالمغرب ( ج 2 ص 124 ) . ( 3 ) البيت في المغرب ( ج 2 ص 124 ) والذيل والتكملة ( ج 5 ص 103 ) . ( 4 ) في الأصل : « وليسوا مثل من بان سيل . . . » ، وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى ، والتصويب من المغرب . وفي الذيل والتكملة : « وليس كشانىء إن سيل . . . » . ( 5 ) في الأصل : « أعونه » وكذا لا يستقيم الوزن ولا المعنى ، والتصويب من المصدرين . ( 6 ) الأبيات في : الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة ( ص 86 - 87 ) . وورد منها ستة أبيات في الذيل والتكملة ( ج 5 ص 103 ) وأربعة أبيات في تاريخ افتتاح الأندلس ( ص 57 ) .