تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
نثره : وهو كثير . فمن خطبه ، وكان لا يخطب إلّا بإنشائه : الحمد للّه الذي سبق كل شيء قدما ، ووسع كل شيء رحمة وعلما ونعما ، وهدى أولياءه طريقا نهجا أمما ، وأنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعل له عوجا قيّما ، لينذر بأسا شديدا من لدنه ، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجرا حسنا ، ماكثين فيه أبدا . أحمده على مواهبه ، وهو أحقّ من حمد ، وأسأله أن يجعلنا أجمع ، ممن حظي برضاه وسعد ، وأستعينه على طاعته ، فهو أعزّ من استعين واستنجد ، وأستهديه توفيقا ، فإنّ من يهد اللّه فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده ، لا شريك له ، شهادة فاتحة لأقفال قلوبنا ، راجحة بأثقال ذنوبنا ، منزّهة له عن التّشبيه والتمثيل بنا ، وأنه تعالى جدّ ربّنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أنزل عليه الفرقان ، وبعثه بالهدى والإيمان ، وأغزى بدعوته دعوة أولياء الشيطان ، وأبعدهم مقاعد عن السمع ، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا . أيها السامع ، قد أيقظك صرف القدر من سنة الهوى وتيّاراته ، ووعظك كتاب اللّه بزواجره وعظاته ، فتأمّل حدوده ، وتدبّر محكم آياته ، وأتل ما أوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته ، ولن تجد من دونه ملتحدا . أين الذين عتوا على اللّه ، وتعظّموا واستطالوا على عباده وتحكّموا ، وظنّوا أنه لن يقدر عليهم حتى اصطلموا . وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا . غرّهم الأمل وكواذب الظّنون ، وذهلوا عن طوارق القبر وريب المنون ، وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ، حتى إذا رأوا ما يوعدون ، فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا . فهذّبوا ، رحمكم اللّه ، سراركم بتقوى اللّه وأخلصوا ، واشكروا نعمته ، وإن تعدّوا نعمة اللّه لا تحصوها ، واحذروا نقمته واتقوه . ولا تعصوا ، واعتبروا بوعيده .
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ( 135 )
« 1 » وانهضوا لطاعته الهمم العاجزة ، واركضوا في ميدان التّقوى ، وحوزوا قصب خصله العابرة ، وادخروا ما يخلصكم يوم المحاسبة والمناجزة ، وانتظروا قوله :
وَيَوْمَ
« 2 »
نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 )
« 3 » وذلك يوم تذهل فيه الألباب ، وترجف القلوب رجفا ، وتبدّل الأرض وتنسف الجبال نسفا ، ولا يقبل اللّه فيه من الظالمين عدلا ولا صرفا .
وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً
« 4 » وعرضوا على ربّك صفّا ، لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ،
هامش
( 1 ) سورة طه 20 ، الآية 135 ، ( 2 ) في الأصل : « يوم » . ( 3 ) سورة الكهف 18 ، الآية 47 . ( 4 ) سورة طه 20 ، الآية 102 .