تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
فج عميق ، يعجون بالتكبير عجيجا ، ويضجون بالتلبية ضجيجا ، وينتحبون بالبكاء نحيبا ، فمن اعتمده لا يريد غيره فقد زارني ووفد إلىّ ونزل بي ، ومن نزل بي فحقيق علىّ أن ألحقه بكرامتي ، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه ، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته ، تعمره أنت يا آدم ما كنت حيا ، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء أمة بعد أمة ، وقرنا بعد قرن ، ونبي بعد نبي ؛ حتى ينتهى ذلك إلى نبي من ولدك وهو خاتم النبيين ، فأجعله من عمّاره وسكّانه وحماته وولاته وسقاته ، يكون أميني عليه ؛ ما كان حيا ، فإذا انقلب إلىّ وجدني قد دخرت له من أجره وفضيلته ما يمكن القربى منى والوسيلة إلىّ ، وأفضل المنازل في دار المقام . وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه ومكرمته لنبي من ولدك يكون فيها من قبل هذا النبي وهو أبوه ، يقال له : إبراهيم ، أرفع له قواعده ، وأقضى على يديه عمارته ، وأنيط له سقايته ، وأريه حلّه وحرمه وموقفه ، وأعلمه مشاعره ومناسكه ، وأجعله أمة واحدا قانتا لي ، قائما بأمري داعيا إلى سبيلي ، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم ، ابتليه فيصبر ، وأعافيه فيشكر ، وينذر لي فيفي ، ويعدنى فينجز ، وأستجيب له في ولده وذريته من بعده ، وأشفعه فيهم ؛ فأجعل لهم ذلك البيت ، وولاته وحماته وسقاته وخدّامه وخزّانه وحجابه ؛ حتى يبتدعوا ويغيروا ؛ فإذا فعلوا ذلك : فأنا اللّه أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء ؛ أجعل إبراهيم إمام ذلك البيت ، وأهل تلك الشريعة ؛ يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن ، يطأون فيها آثاره ، ويتبعون فيها سنته ، ويقتدون فيها بهديه . فمن فعل ذلك منهم : أوفى بنذره ، واستكمل نسكه ، ومن لم يفعل ذلك منهم : ضيع نسكه ، وأخطأ بغيته . فمن سأل عنى يومئذ في تلك المواطن أين أنا ، فأنا مع الشعث الغبر الموفين بنذورهم ، المستكملين مناسكهم ، المبتهلين إلى ربهم الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون ، وليس هذا الخلق ولا هذا الأمر الذي قصصت عليك شأنه يا آدم بزائد في ملكي وعظمتي ولا سلطاني ولا شئ مما عندي ؛ إلا كما زادت قطرة من رشاش وقعت في سبعة أبحر تمدها من بعدها سبعة أبحر ، لا يحصى بلّ القطرة أزيد في البحر من هذا الأمر في شئ مما