تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
كفا شرفا أنّى مضاف إليكم * وأنّى بكم أدعى وأرعى وأعرف
وقال كعب الأحبار : اختاره اللّه تعالى من أحب البلاد ، وأحب البلاد إلى اللّه البلد الحرام . وعن عثمان بن ساج قال : بلغنا أن إبراهيم عليه السلام عرج به إلى السماء ، فنظر إلى الأرض مشارقها ومغاربها فاختار موضع الكعبة ، فقالت الملائكة : يا خليل الرحمن اخترت حرم اللّه في الأرض « 1 » . ويحكى عن وهب بن منبّه - رضى اللّه عنه - أنه قال : وجد في أساس الكعبة لوح مكتوب فيه : لكل ملك حيازة مما حواليه ، وبطن مكة حوزتى التي اخترتها لنفسي دون خلقي ، أنا اللّه ذو بكة ، وأهلها جيرتى وجيران بيتي ، وعمارها وزوارها وفدى وأضيافي وفي كنفي وأماني ضامنون علىّ وفي ذمتي وجواري ، من أمّنهم فقد استوجب بذلك أماني ، ومن أخافهم فقد أخفرنى في ذمتي . تأمل يا ولى اللّه سر هذه النسبة الإلهية وحاصل هذا التفضيل ، ولاحظ بعين التفكر وأذن التدبر هذه الإشارة ولطيفة هذا التمثيل : لما كان لكل ملك محل يقصد فيه لأداء خدمته ، ولكل سلطان باب تعفر الجباه على عتبته ، ولكل باب حيازه يلجأ إليها من لاذ بجنابه ، ولكل سخى ساحة يفد إليه من رغب في ثوابه ، اختص اللّه تعالى هذا البيت المشرف بهذه المعاني ، واطلع في أفق قصده شموس الظفر وبدور الأماني ، وصير ما حواليه حرما له تحقيقا لعظمته ، وجعل عرفة كالميزان على فناء حرمه ، ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصدها الوفاد من كل جهة ، ويفد إليها القصاد من كل مكان وبقعة ، شعثا غبرا ، متواضعين مستكينين ، خاضعين إذعانا لجلال ملكوته ، وانقيادا لعزته وجبروته ، مع تنزيهه سبحانه وتعالى أن يحويه بيتا ويكنفه بلدا . أو يشبهه في حقيقة ما ضرب له من المثال أحد . والحكمة في ذلك : بيان أسرار العظمة الإلهية ، وإيضاح آثار سطوتها ، وإظهار انقياد ملوك الأرض والجبابرة إلى إجابة دعوتها ؛ فيذل هنالك منهم العزيز ، وتخضع العبيد ، وينطفئ نور من سواها ؛ لاستيلاء أنوارها ، وتصير بحار ذوى
هامش
( 1 ) أخبار مكة للأزرقى 1 / 21 ، سبل الهدى والرشاد 1 / 182 .