تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
ولا يجوز لأحد أن يقول : إن قبول التوبة النصوح في مشيئة اللّه تعالى ؛ فإن ذلك جهل محض ويخاف على قائله الكفر ؛ لأنه وعد قبول التوبة قطعا وهذا بخلاف الإيعاد فإن العفو عنه وترك العقوبة كرم منه لا أنه خلف . هذا مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للمعتزلة وتمامه عرف في الأصول ، وإنما ذكرت هذه المسألة هنا كيلا يتشكك التائب في قبول توبته إذا كانت توبة نصوحا ؛ فإنه بتلك التوبة والاعتقاد يصير مذنبا أعظم من الذنب الأول . ثم اعلم أن تمام التوبة وقبولها موقوف على إرضاء الخصوم برد المظالم إلى أصحابها ، وقضاء الديون ، ورد الودائع والأمانات بقدر الوسع والطاقة ؛ لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقبل اللّه توبة عبد حتى يرضى الخصماء ؛ فإذا رضى خصماؤه رضى اللّه عنه ، ويقبل توبتة وصومه وصلاته ، ودرهم واحد يرد إلى الخصماء خير له من عبادة ألف سنة » . وفي رواية : « ولرد دانق من حرام خير له من سبعين حجة » « 1 » . وينبغي أن يجتهد في رد المظالم وقضاء الديوان ورد الودائع إلى أربابها ؛ فإن السفر بعيد والعمر قصير والناقد بصير والخطر شديد ، وأن يخيّل هذا السفر بسفر الآخرة ؛ لأن علاماته أنموذج علامات سفر الآخرة بعينه في الحقيقة لمن تدبره . واعلم أن كل معصية أو مظلمة أو حق لغير يجب عليك توبته ورده وأداؤه ؛ فهو كغريم متعلق بذيلك ويمنعك من الوصول إلى مقصدك ومطلوبك ، وكأنه يقول لك بلسان الحال في المقال : كيف يحل لك قصد حرم الملك ذي الجلال وأنت مصر على معصيته ومرتكب على مخالفته وتطمع في رضاه عليك وتتعرض لإحسانه إليك أفلا تخش من الرد والطرد ؟ !
هامش
( 1 ) الدانق : أصغر قطعة نقد في العصور الأولى ، وكان يساوى سدس درهم ، والحديث غريب جدا ، قال عنه القارى في رسالته ( ص : 55 ) : وقال العسقلاني : « ما عرفت أصله » ، وهو مذكور في كشف الخفاء ومزيل الالتباس 1 / 515 - 516 ، وهداية السالك 1 / 137 . وفيه : إسحاق بن وهب الطهرمسى ؛ قال عنه الدارقطني : كذاب متروك يحدث بالأباطيل عن عبد اللّه بن وهب وغيره . انظر : الضعفاء والمتروكون ( 101 ) ، وتنزيه الشريعة 1 / 37 ، وقال عنه ابن حبان : يضع الحديث ، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه ، منكر الرواية ( المجروحين 1 / 294 ) .
إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 243 | محمد بن اسحاق الخوارزمي / مصطفى محمد حسين الذهبي