الفصل السابع والأربعون في ذكر ما جاء في بدء شأن زمزم وذكر ذرعه
روى أنه جاء إبراهيم عليه السلام بهاجر أم إسماعيل عليها السلام وإسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند دوحة فوق زمزم ، وليس بمكة يومئذ أحد ولا ماء ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم رجع منطلقا ، فتبعته أم إسماعيل فقالت : أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شئ ؟
وقالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها ، فقالت : آللّه أمرك بهذا ؟ قال : نعم .
قالت : إذا لا يضيعنا اللّه تعالى ، ثم رجعت .
فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه الكعبة ورفع يديه ودعا بهذه الكلمات :
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
حتى بلغ إلى قوله :
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
« 1 » .
وجعلت أم إسماعيل ترضع ولدها وتشرب من هذا الماء حتى إذا عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من العطش فانطلقت كراهة أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ، فاستقبلت الوادي ونظرت فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا حتى بلغت الوادي رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدا ، ففعلت هكذا سبع مرات ، فلذلك شرع السعي بينهما سبعا فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت له : صه ، تريد نفسها ، ثم تسمعت فسمعت الصوت أيضا فقالت : قد أسمعت من كان عندك غوث ، فإذا هو جبريل عليه السلام عند زمزم ، فبحث بعقبه أو بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا هكذا وتغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف ، فشربت منه وأرضعت ولدها ، فقال لها جبريل عليه السلام : لا تخافي الضيعة فإن
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : آية 37 .