كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأوّل منزل
ولهذا قال ذو النون المصري لما قيل له : أين أنت من قوله ألست بربكم ؟ قال :
كأنه الآن في أذني « 1 » .
المعنى الثاني : أن سبب ذلك دعاء الخليل عليه السلام حيث قال :
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
« 2 » ، لحجه . قال ابن عباس في تفسيره : يحن إليهم ، ولو قال : فاجعل أفئدة الناس تهوى إليهم بدون « من » لحجه اليهود والنصارى .
وهذا المعنى أرفع من الأول وأشرف ؛ إذ ليس فيه شائبة نفسانية ترد الحنين إليه وتصرفه .
المعنى الثالث : وهو أهذب منهما مذهبا وأرق واصفى مشربا ؛ أنه جاء في الحديث : « أن اللّه تعالى ينظر إلى الكعبة ليلة النصف من شعبان فتحن إليه القلوب من أجل ذلك » « 3 » .
المعنى الرابع : أنه ورد أن اللّه تعالى أوحى إلى الكعبة عند بنائها : أنى منزل نورا وخالق بشرا يحنون إليك حنين الحمام إلى بيضه ، ويدفون إليك دفيف النسور .
فانظر يا أخا الصفا بالوفا إلى ما تضمنته هذه الكلمات من فضل اللّه الحسن الجميل ، وفوائد المنح وقلائد المنن ، بدأ الخلق من العدم ثم ابتدأهم بسوابغ النعم ، ونصب خيمة القرى في أم القرى ، ونادى : هلموا إلىّ ، نادى الكريم فيا هناء لمن اختير لتلك الحضرة وارتضى لمقعد الجلال ، ويا قرة عين من حظى بمشاهدة الجمال .
قال جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي - رضى اللّه عنهم - أنه قال : لما قال اللّه تعالى للملائكة :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
غضب اللّه عليهم ، فعاذوا بالعرش وطافوا حوله سبعة
هامش
( 1 ) مثير الغرام الساكن ( ص : 74 ) .
( 2 ) سورة إبراهيم : آية 37 .
( 3 ) أخرجه الديلمي في الفردوس عن ابن عباس ( 542 ) .