عقولهم من أن جميع ما عليه غير المسلم من السير والتراتيب ينبغي أن يهجر ، وتآليفهم في ذلك يجب أن تنبذ ولا تذكر ، حتّى أنهم يشدّدون [ 6 ] الإنكار على من يستحسن شيئا منها . وهذا على إطلاقه خطأ محض .
5 - الحكمة ضالّة المؤمن :
فإنّ الأمر إذا كان صادرا من غيرنا وكان صوابا موافقا للأدلّة لا سيّما إذا كنّا عليه وأخذ من أيدينا فلا وجه لإنكاره وإهماله ، بل الواجب الحرص على استرجاعه واستعماله . وكلّ متمسّك بديانة وإن كان يرى غيره ضالا في ديانته ، فذلك لا يمنعه من الاقتداء به فيما يستحسن في نفسه من أعماله المتعلّقة بالمصالح الدنيوية كما تفعله الأمّة الإفرنجيّة ، فإنّهم ما زالوا يقتدون بغيرهم في كلّ ما يرونه حسنا من أعماله ، حتّى بلغوا في استقامة نظام دنياهم إلى ما هو مشاهد . وشأن الناقد البصير تمييز الحقّ بمسبار النظر في الشيء المعروض عليه ، قولا كان أو فعلا ، فإن وجده صوابا قبله واتّبعه ، سواء كان صاحبه من أهل الحقّ أو من غيرهم ، فليس بالرجال يعرف الحقّ بل بالحقّ تعرف الرّجال .
والحكمة ضالّة المؤمن يأخذها حيث وجدها « 15 » .
ولمّا أشار سلمان الفارسي « 16 » - رضي اللّه عنه - على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بأنّ عادة الفرس أن يطوّقوا مدنهم بخندق حين يحاصرهم العدوّ اتّقاء من هجومه عليهم ، أخذ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - برأيه وحفر خندقا للمدينة في غزوة الأحزاب « 17 » ، عمل فيه بنفسه ترغيبا
هامش
( 15 ) حديث نبوي شريف .
( 16 ) سلمان الفارسي : ( م . 36 / 656 ) أصله من ماجوس أصبهان ، عاش طويلا وأسلم على يد الرّسول وهو الذي دلّ المسلمين على حفر الخندق في غزوة الأحزاب ، جعل أميرا على المدائن فأقام فيها إلى أن توفي . الزركلي ، الأعلام ، ط . 2 ،III، 169 - 170 .
( 17 ) غزوة الأحزاب وتسمّى أيضا غزوة الخندق وهي التي وقع فيها حصار المدينة من قبل قبائل مكّة المتحالفين مع اليهود .