تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١

6 - تناقض المناهضين للتنظيمات :

على أنّا إذا تأمّلنا في حالة هؤلاء المنكرين لما يستحسن من أعمال الإفرنج نجدهم يمتنعون من مجاراتهم فيما ينفع من التنظيمات « 21 » ونتائجها ولا يمتنعون منها فيما يضرّهم . وذلك أنّا نراهم يتنافسون في الملابس وأثاث المساكن ونحوها من الضروريات ، وكذا الأسلحة وسائر اللوازم الحربية ، والحال أنّ جميع ذلك من أعمال الإفرنج . ولا يخفى ما يلحق الأمّة بذلك من الشين والخلل في العمران وفي السياسة . أما الشين فبالاحتياج للغير في غالب الضروريات الدّالّ على تأخّر الأمّة في المعارف . وأمّا خلل العمران فبعدم انتفاع صنّاع البلاد باصطناع نتائجها الذي هو أصل مهمّ من أصول المكاسب ، ومصداق ذلك ما نشاهده من أنّ صاحب الغنم منّا ومستولد الحرير وزارع القطن مثلا يقتحم تعب ذلك سنة كاملة ويبيع ما ينتجه عمله لإفرنجي بثمن يسير ، ثمّ يشتريه منه بعد اصطناعه في مدّة يسيرة بأضعاف ما باعه به . وبالجملة فليس لنا الآن من نتائج أرضنا إلّا قيمة موادّها المجرّدة دون التطويرات العملية التي هي منشأ توفّر الرغبات منّا ومن غيرنا . ثمّ إذا نظرنا إلى مجموع ما يخرج من المملكة وقايسناه بما يدخلها فإن وجدناهما متقاربين خفّ الضرر ، وأمّا إذا زادت قيمة الداخل على قيمة الخارج فحينئذ يتوقّع الخراب لا محالة . وأمّا الخلّل السياسي فإن احتياج المملكة لغيرها مانع لاستقلالها وموهن لقوّتها لا سيّما إذا كان متعلّق الاحتياج الضروريات الحربية التي لو يتيسّر شراؤها زمن الصلح لا يتيسّر ذلك وقت الحرب ، ولو بأضعاف القيمة .
هامش
( 21 ) يستعمل خير الدين هنا هذه الكلمة في معناها العامّ وهو المؤسّسات العصرية الأوروبية ولكنّه لا ينفكّ يستعملها في معنى أخصّ في بقية مؤلفه وهي الإصلاحات التي اعتمدتها السلطة العثمانية وبعض ولاياتها ابتداء من سنة 1839 إلى 1876 .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 101 | خير الدين التونسي / المنصف الشنوفي