وفيه يقول : « كانت الآداب قبل انتشار العرب من جزيرتهم متأصّلة فيهم مؤدّاة بلغتين : الحميرية في اليمن ، والقرشية في الحجاز . وبالأخيرة جاء القرآن . ( ولا يخفى عليك أنّ الذي يقابل الحميرية هو المضرية ، وإن وقع الإجماع في القراءة على خصوص القرشية ) ولذلك اشتهرت واستمرّ خلوصها إلى وقتنا هذا باستمرار كتب العلوم والديانة ، وما دخلت العجمة في اللّسان إلّا بدخول الأمم في الإسلام ، وتطاول السنين » .
« وللغة المذكورة من الاتّساع وسعة المجال ما لا يخفى على مثافنها « 70 » ، لا سيّما في الأشياء التي بها قوام المعيشة في البادية ، أو تتكرّر رؤيتهم لها ، أو تكثر حاجتهم إليها ، فقد يكون للشيء الواحد عدّة أسماء باعتبار تعدّد صفاته وأحواله . وبكثرة الترادف عندهم اتّسعت لهم دوائر الآداب الشعرية ، إذ يقال إن للعسل عندهم ثمانين اسما ، وللثعبان مائتين ، وللأسد خمسمائة وللجمل ألفا ، وكذا السيف ، وللداهية « 71 » نحو أربعة آلاف اسم . ولا جرم أن استيعاب مثل هذه الأسماء يستدعي حافظة قويّة . وللعرب من قوّة الحافظة ، وحدّة الفكر ما لا يسع أحدا إنكاره ، فمن مشاهيرهم حمّاد الرّاوية « 72 » ، الذي ذكر يوما للخليفة الوليد « 73 » أنّه ينشد له في الحال مائة قصيدة . والقصيدة ( من عشرين إلى مائة بيت ) فتعب المستمع قبل المنشد » .
إلى أن قال : « ولم يكن للعرب في أوّل الأمر إلّا تلك الآداب . ثمّ لمّا اتّسعت لهم دوائر الفتوحات ، واختلطوا بالأمم الذين سبقوهم في الحضارة
هامش
( 70 ) مثافنها : من ثافن : لازم الشيء حتى يعرف حقيقته .
( 71 ) الداهية : المصاب الجلل .
( 72 ) حمّاد الرّاوية : ولد في الكوفة سنة 75 / 694 ومات بها سنة 156 / 775 ، اشتهر بقوّة حفظه للشعر الجاهلي والإسلامي له الفضل في جمع المعلّقات ، أنظر : دائرة المعارف الإسلامية ، ط 2 ،III، 138 / 139 .
( 73 ) الوليد بن يزيد : الخليفة الأموي الحادي عشر ( 743 / 744 ) مات مقتولا وكان شاعرا وأديبا ظريفا .