« لمّا سار المأمون « 65 » في قرى مصر ، وكان يقيم بالقرية يوما وليلة اجتاز بقرية يقال لها طاء النمل ، ولم يقم بها ، فتوسّلت إليه عجوز كبيرة بالقرية في الإقامة ، فأسعفها . وأحضرت من لوازم نفقة الخليفة وجنوده ، ما عظم لديه أمره وأهدت له حين عزم على الرحيل عشرة أكياس من سكّة الذهب - كلّها ضرب عام واحد ، فازداد تعجّبه ، وقال : « ربّما يعجز بيت مالنا عن مثل هذا » . وردّ عليها ما لها رفقا بها ، فلم تقبل . وقالت : « هذا - مشيرة إلى الذهب - من هذه ، أي طينة الأرض ، ثمّ من عدلك يا أمير المؤمنين . وعندي من هذا شيء كثير » [ 22 ] . فقبله وأعظم جائزتها . انتهى بتصرّف واختصار .
حكى أيضا أنّ خراج مصر بلغ في زمن الخلفاء الراشدين أربعة عشر مليون دينار ، وقدرها ، - بسكّة الوقت - نحو سبعمائة مليون فرنك . وهذا المبلغ دخل إيالة واحدة ، مع الإنصاف في الجباية .
وحكى ابن خلدون في المقدّمة أن المحمول إلى بيت المال ، في أيّام الرشيد العبّاسي ، بلغ إلى سبعة آلاف وخمسمائة قنطار ذهبا . وقدر ذلك تقريبا ألف وأربعمائة مليون فرنك . وهذا دون ما يؤخذ من العين .
ويدّل على القوّة العسكريّة الناتجة من عدل الشريعة ، واتّحاد الأمّة ، ما تيسّر لهم من الفتوحات التي يشهد بها المؤرّخون من الفريقين ، ويصدّقها العيان ، ففي قرّة العيون الذي ترجمه الشيخ أحمد الزرابي « 66 » المصري من
هامش
( 65 ) المأمون : ( 833 - 876 ) ابن هارون الرشيد ، أحبّ الفرس فلم يكسب ودّ العرب - غلب البزنطيين قرب طرسوس ، انحاز إلى مذهب المعتزلة وفي عصره ازدهرت العلوم والفنون الإسلامية .
( 66 ) مصطفى السيّد أحمد الزرابي : ( لا الزرافي وهو خطأ مطبعي كما في الطبعة الأولى ) ( م .
1854 ) ، كان من الذين وجّههم محمّد علي في بعثات علمية إلى فرنسا وعمل بعد رجوعه كمترجم حكومي ، صاحب : قرّة النفوس والعيون بسير ما توسّط من القرون ، ط . بولاق 1262 .
أنظر : الزركلي ، الاعلام ،VII، 136 .
سركيس ، معجم ، 965 .