« ومن العلوم التي لهم الفضل فيها الجغرافيا ، وسبب تقدّمهم فيها أنّ اتّساع فتوحاتهم ، ورغبتهم في الأسفار الخطيرة لافتراض الحجّ عليهم ، أنتجت لهم المعرفة بكثير من البلدان الشاسعة ، التي لم يصل إليها أهل أوروبا ، أو نسوها بعد ما كانت معروفة لهم . ومن مشاهيرهم في هذا الفنّ أبو الفداء « 81 » ، والمسعودي « 82 » والإدريسي « 83 » وهذا الأخير هو الذي استدعاه روجير ملك صقليّة ، وألّف عنده كتابه الغريب الذي سمّاه « نزهة المشتاق » .
« وأما علم التاريخ فمن تآليفهم فيه تاريخا المسعودي وأبي الفداء المذكورين ، وتاريخ المقريزي ، غير أنّها تواريخ مختصّة بأبناء جنسهم ، وقلّ أن يوجد بها الكريتيك » ( بمعنى أنهم لا يسبرون منقولاتهم بمسبار العقل - كما أشار إلى ذلك ابن خلدون - ) « ولا يخرجون عن دائرة الوقائع المجرّدة » . ( ولا سبب لذلك إلّا ما حكاه سدليو في تاريخه الآتي ذكره « 84 » من أنّ وجود التسلّط في الملوك في بلدان المشرق ، هو الذي كان يمنع المؤرّخين من شرح جميع الوقائع ، ببيان أسبابها ، للخطر الذي يلحقهم في حكاية الحقّ .
« وأما صناعة الأرشتكتور أي هندسة البناء في اصطناع الهيئات فلم يشتغل العرب منها إلّا بما يرجع إلى إتقان الأبنية ، حيث كانت شريعتهم تمنع التصوير .
على أنّ البناء نفسه لم تظهر لهم فيه اختراعات غريبة ، فالأصل عندهم في
هامش
( 81 ) أبو الفداء الملك المؤيّد إسماعيل بن علي من سلالة صلاح الدين الأيّوبي ( 672 - 1273 / 732 - 1331 ) شارك في الحروب ضدّ الصليببين وأصبح ملك حماة صاحب كتاب في الجغرافيا : تقويم البلدان وكتاب في التاريخ : مختصر تاريخ البشر .
أنظر : دائرة المعارف الإسلامية ، ط 2 ،I، 122 - 123 .
ر . بلاشير : الجغرافيون العرب ، 203 - 204 .
( 82 ) المسعودي ( م . 560 / 956 ) ولد ببغداد صاحب مروج الذهب وكتاب التنبيه .
( 83 ) الإدريسي ( م . 560 / 1166 ) من مواليد سبتة تعلّم بالأندلس وخدم الملك النرماني روجارIIبصقلية صاحب كتاب في الجغرافيا : نزهة المشتاق في اختراق الآفاق المشهور بكتاب روجار .
أنظر : ر . بلاشير ، الجغرافيون ، 192 - 190 .
( 84 ) أنظر أسفله : تعليق ( 92 ) .