أفتراهم والحالة هذه لا يعذرون في إلقاء زمامهم بيد المذكور ؟ بلى ! » .
( إذا لم تكن إلّا الأسنّة مركبا * * فلا يسع المضطرّ إلّا ركوبها )
« 57 » .
ومع ذلك فلم تمض إلّا سنوات قليلة إذ انقلب ذلك العاقل مجنونا بجنون غير مماثل لجنون أرباب الثورة ، والجنون فنون ، فإنّه تقرّب بمليون من النفوس في ميدان الحرب ، وحمل أهل أوروبا على التعصّب [ 20 ] على فرنسا حتّى بقيت مغلوبة ، غريقة في دمائها ، مسلوبة من نتائج انتصارها مدّة عشرين سنة ، بحيث صارت على حالة يرثى لها ، ولم يبق لها أن تستثمر بعد ذلك إلّا ما كان مزدرعا فيها من بذر التمدّن الوقتي . فمن كان يظنّ أنّ عاقل سنة ثمانمائة وألف ( 1800 م ) يجنّ في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وألف ( 1812 م * ) ؟ » .
« نعم كان يمكن توقّع ذلك ، لو أمعنوا النظر في أنّ الذي له القدرة التّامّة ، بحيث يستطيع أن يفعل كلّ ما يريد ، معه داء لا دواء له ، وهو الشهرة الداعية لفعل كلّ مستطاع ولو كان قبيحا » .
« إذا تقرّر هذا فعلى أبناء الوطن أن يتأمّلوا سيرة المذكور ، ويستخرج منها كلّ فريق ما يناسب خطّته والأهمّ أمر واحد وهو أن لا يطلق أمر الوطن لإنسان واحد ، كائنا من كان ، وعلى أي حالة كان » .
« وقد ختمت هذا التاريخ الطويل ، المستوعب لأحوال نصرنا وانهزامنا ، بهذه النصيحة بل الصيحة الصادرة عن صميم فؤادي ، راجيا بلوغها إلى قلب كلّ فرنساوي ، ليتيقّن جميعهم أنّه لا يليق بهم بذل حرّيتهم إلى أحد ، كما لا ينبغي لهم الإفراط فيها حتّى تنتهك حرمتها » . انتهى المراد منه « 58 » .
هامش
( 57 ) بحر الطويل والبيت تضمين من خير الدين .
( 58 ) تأثّر خير الدّين بمفكّرين سياسيين فرنسيين ثلاثة واضح بيّن وهم : مونتسكيوMontesquieuوقيزوGuizotوتيارسThiers: أنظر عن تأثّر خير الدين بالتيّار الليبرالي خاصّة الفرنسي منه ، مقلي مرسي ، المرجع نفسه ، تعاليق 55 ، 57 ، 69 وخاصّة 70 المتعلّق بتيارس ، زعيم المعارضة الليبرالية بفرنسا سنة 1863 .