الدائرة بعض آفاق الكرة المنتصبة ، وغير متغيّرة اللّوازم في جميع البقاع من الأرض ؛ ولم يجدوا ذلك في دوائر الآفاق ، لاختلافها في كلّ موضع ، وحدوثها لكلّ واحد من العروض ، على شكل مخالف لما سواه ، وتفاوت مرور القطع من فلك البروج عليها ، والعمل [ بها ] « 1 » غير تامّ ولا جار على نظام .
4
ومنها أنّه ليس بين دوائر أنصاف نهار البلاد ، الّا ما بينها من دائرة معدّل النّهار والمدارات المشتبهة « 2 » بها . فإنّ ما بينها متركّب من ذلك ، ومن انحرافها إلى الشّمال والجنوب ؛ وتصحيح أحوال الكواكب ومواضعها ، إنّما هو بالجهة التي تلزم من فلك نصف النهار ، وتسمّى الطّول ، ليس له حظّ في الجهة الأخرى اللازمة من الأفق ، وتسمّى العرض . فلأجل هذا اختاروا الدائرة التي تطرّد عليها حسباناتهم ، وأعرضوا عن غيرها ، على أنّهم لو راموا العمل بالآفاق ، لتهيّأ لهم ولأدّتهم إلى ما أدّتهم اليه دائرة نصف النهار ، لكن بعد سلوك المسلك البعيد ؛ وأعظم الخطاء هو تنكّب الطريق المستقيم ، إلى البعد الأطول على عمد . هذا هو الحدّ الذي نحدّ به اليوم على الإطلاق ، إذا اشترط الليلة في التركيب . فأمّا على التقسيم والتفصيل ، فإنّ اليوم بانفراده والنهار بمعنى واحد ، وهو من طلوع جرم الشمس إلى غروبه ، والليل بخلاف ذلك وعكسه بتعارف من الناس قاطبة ، فيما بينهم ذلك واتّفاق من جمهورهم لا يتنازعون فيه ، إلّا أنّ بعض علماء الفقه في الإسلام ( 5 ) حدّ أوّل النهار بطلوع الفجر ، وآخره بغروب الشمس ، تسوية منه بينه وبين مدّة الصّوم ، واحتجّ فيه بقوله - تعالى - :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ ، مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
« 3 » ، فادّعى أنّ هذين الحدين هما طرفا النهار .
5
ولا تعلّق لمن رأى هذا الرّأى ، بهذه الآية بوجه من الوجوه ؛ لأنّه لو كان أوّل الصوم أوّل النهار ، لكان تحديده ما هو ظاهر بيّن للنّاس ، بمثل ما حدّه به جاريا مجرى التكلّف لما لا معنى له ؛ كما لم يحدّ آخر النهار وأوّل الليل « 4 » بمثل ذلك ، إذ هو معلوم متعارف لا يجهله أحد ؛ ولكنّه - تعالى - لمّا حدّ أول الصوم بطلوع الفجر ، ولم يحدّ آخره بمثله ، بل أطلقه بذكر الليل فقط ، لعلم الناس بأسرهم أنّه غروب قرص الشمس ، علم أن المراد بما ذكر في الأوّل ، لم يكن مبدأ النهار .
و
هامش
( 1 ) . عس / توپ : - .
( 2 ) . عس / توپ : الشبيهة .
( 3 ) . قرآن ، 2 / 183 .
( 4 ) . توپ : النهار .