وقوله صلى اللّه عليه وسلم للحولاء بنت نويت التي طوّقت نفسها بحبل حتى لا تنام عن قيام الليل كما في حديث عائشة رضي اللّه عنها :
( عليكم من العمل ما تطيقون ، فإن اللّه لا يملّ حتى تملوا ، وأحبّ العمل إلى اللّه أدومه وإن قل ) .
- وهكذا كان عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم على هذا المنهج يسيرون ، يجمعون بين العلم والعمل ، والعبادة والسعي على النفس والعيال ، وبين العبادة والجهاد ، والتصدي للبدع والأهواء مثلما تصدى ابن مسعود رضي اللّه عنه لبدعة الذكر الجماعي بمسجد الكوفة وقضى عليها ، وتصدّيه لأصحاب معضّد بن يزيد العجلي لما اتخذوا دورا خاصة للعبادة في بعض الجبال وردهم عن ذلك .
ظهور العبّاد :
في القرن الثاني عشر الهجري في عهد التابعين وبقايا الصحابة ظهرت طائفة من العباد آثروا العزلة وعدم الاختلاط بالناس فشددوا على أنفسهم في العبادة على نحو لم يعهد من قبل ، ومن أسباب ذلك بزوغ بعض الفتن الداخلية ، وإراقة بعض الدماء الزكية ، فآثروا اعتزال المجتمع تصوّنا عما فيه من الفتن ، وطلبا للسلامة في دينهم ، يضاف إلى ذلك أيضا فتح الدنيا أبوابها أمام المسلمين ، وبخاصة بعد اتساع الفتوحات الإسلامية ، وانغماس بعض المسلمين فيها ، وشيوع الترف والمجون بين طبقة من السفهاء ، مما أوجد ردة فعل عند بعض العباد وبخاصة في البصرة والكوفة حيث كانت بداية الانحراف عن المنهج الأول في جانب السلوك .
- ففي الكوفة ظهرت جماعة من أهلها اعتزلوا الناس وأظهروا الندم الشديد بعد مقتل الحسين بن علي رضي اللّه عنهما وسموا أنفسهم بالتوّابين أو البكّائين . كما ظهرت طبقة من العبّاد غلب عليهم جانب التشدد في العبادة والبعد عن المشاركة في مجريات الدولة ، مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة ، واشتغالهم بالكتاب والسنة تعلما وتعليما ،