الشيطان جند النفس التي هي أمارة بالسوء ، دون المطمئنة فإنها توافق العقل أبدا ، ومقصد النفس الأمارة بالسوء الشهوات والأغراض العاجلة ، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده ويعينه على قمع شهواته أمد قلبه بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم . . . فعلى العبد أن يفزع إلى ربه عند التقاء الصفين ، ويسأله الإعانة على النفس الأمارة بالسوء متوسلا بسيد الكونين 11 .
الفرق بين النور والبصيرة والقلب :
النور هو ما يقذفه اللّه في القلب المريد من العلم اللدني ، ويختص النور بأن له الكشف ، أي كشف المعاني كحسن الطاعة وقبح المعصية ، والبصيرة التي هي عين القلب لها الحكم وهو إدراك الأمر الذي شاهدته ، وكشف لها عنه بالنور ، فإنه كما لا يمكن إدراك البصر للمحسوسات إلا بالأنوار الظاهرة كالشمس والسراج لا يمكن إدراك البصيرة لشيء من المعاني إلا بالأنوار الباطنية ، والقلب له الإقبال على ما كشف للبصيرة وحكمت بحسنه كالطاعة والإدبار عما كشف لها وحكمت بقبحه كالمعصية ، وحينئذ تتبعه الجوارح كما في الحديث « ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت الجسد كله ألا وهي القلب » 12 .
مطالع الأنوار القلوب والأسرار :
إن مواضع طلوع الأنوار المعنوية وهي نجوم العلم وأقمار المعرفة وشموس التوحيد إنما هي قلوب العارفين وأسرارهم ، فهي كالسماء التي تشرق فيها الكواكب ، بل تلك الأنوار المعنوية أشد إشراقا في الحقيقة من الكواكب الحسية ، والنور على قسمين : نور يكشف اللّه به عن آثاره كنور الشمس ونور مستودع في القلوب ، وهو نور اليقين الذي أودعه اللّه في قلوب عباده العارفين ، ومدده الذي يستمد ويتزايد منه ضياءه إنما هو من النور الوارد من خزائن الغيوب ، وهو نور الأوصاف الأزلية . . . فالنور المدرك بالحواس كنور الشمس والقمر يكشف لك به عن آثاره وهي الأكوان ، فتستدل بالأثر على المؤثر .
وأما النور الذي يكشف لك به عن أوصافه ، فهو منه المستودع في القلوب من نور اليقين الذي يكشف لك به عن أوصافه الأزلية الجمالية والجلالية حتى تراها عيانا ولا تحتاج معه إلى دليل فإنك تشهد به المؤثر 13 .