للشعور . " فهناك درجات للحب ، كما أن هناك درجات لا تحصى للخير ، فيكون الحب أكثر أو أقل صفاء على حسب ما يكون الخير أكثر أو أقل كمالا . . . وأعلى درجات الحب هي الوجد ، وموضوعه حين ذلك هو الخير في ذاته ، أي اللّه " 22 .
هذا هو مقام الصوفية في الحب والفن ، عاشوه حقيقة روحية ، وصاغوه صورة فنية ، لا يكاد يضاهيها - لصدقها وعمقها - صورة أخرى من صور التعبير الأدبي ، ولا ريب أن الذي ساعد الصوفية على اتخاذ هذا المسلك هو أنهم فضلوا اتباع القلب في الوصول إلى اللّه على اتباع العقل ، فأخذوا أنفسهم بالرياضة والتهذيب رجاء السمو بالروح ، وكان لذلك أثر كبير في الأدب عند شعرائهم الذين عبروا عن عواطفهم وأفكارهم ، فأضفوا على الجمال معنى جديدا ، وخلقوا بذلك في الأدب وسائل للتعبير عن المعاني الروحية وجمالها ، فكان للمعاني الغزلية في شعرهم روعة وجدة ، لم يكن إليها سبيل إلا بتجاوز حدود المادة في النظر إلى الجمال الحسى ، ولا يقع ذلك موقعه إلا لدى من يتفهمون مثلهم ، وينفذون إلى ما يقصدون إليه من معان روحية " 23 .
إنها العودة إلى الأصل الأول ، والفناء فيمن بيده مقاليد كل شئ وإليه المرجع والمصير ، فكيف لا يصدق الشعور ويتوهج التعبير ؟ يقول الشبلي :
ذكرتك لا أنى نسيتك لمحة * وأيسر ما في الذكر ذكر لسان
وكدت بلا وجد أموت من الهوى * وهام على القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضري * شهدتك موجودا بكل مكان
فخاطبت موجودا بغير تكلم * ولاحظت معلوما بغير عيان 24
ويروى للجنيد في مثل هذا المعنى بلحن أرق ، ولكن الصدق هو الصدق :
وتحققتك في السر فناجاك لساني * فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان
إن يكن غيبك التعظيم عن لحظ عيانى * فلقد صيرك الوجد من الأحشاء دانى
ويقول ابن عربى في لحن من مقام " الحيرة " :
ليت شعري هل دروا * أي قلب ملكوا