تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 727

مساهمون:

ص٧٢٧

المقامات والأحوال

يقول عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته : " إن الإنسان بما هو إنسان إنما يتميز عن سائر الحيوان بالإدراك . وإدراكه نوعان : إدراك للعلوم والمعارف من اليقين والظن والشك والوهم . وإدراك للأحوال القائمة من الفرح والحزن والقبض والبسط . والصوفي ، أو المريد ، أو السالك ، أو المسافر ، في مجاهدته ، وعبادته ، لابد أن تنشأ له عن كل مجاهدة " حال " هي نتيجة لتلك المجاهدة " 1 . هذا فحواه أن التصوف تجربة ذاتية لا يعرفها إلا صاحبها ، وهذه التجربة لا تعتمد - في الأساس - على الحس والعقل ، وإنما تعتمد في المقام الأول على البصيرة ، أو القلب ، ( أو عين السر ، أو الحدس ) ، ومن ثم فإن مصدر المعرفة هنا ومعياره مصدر ذاتي محض ، لا يصل إليه حس ، ولا ينفع معه عقل أو برهان . وقد أعطى أبو حامد الغزالي للقلب أهمية قصوى في المعرفة الصوفية وشبهه بحوض ، هذا الحوض يمكن أن يأتيه الماء من على سطحه بواسطة الأنهار والأمطار وفي هذه الحالة لا يكون الماء نقيا . وقد نسعى إلى حفر أعماق هذا الحوض ( البئر ) حتى نصل إلى الماء الصافي الموجود في عمق هذا البئر ، عندئذ يكون الماء صافيا نقيا . هذا هو حال التجربة الصوفية ؛ القلب له بابان : باب مفتوح على عالم الحواس والمعقولات ( عالم الملك والشهادة ) وباب مفتوح على عالم الملكوت ؛ وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة ؛ ولذلك فإن الفرق بين علوم الأولياء ( الصوفية ) وبين علوم الحكماء يكمن في أن علوم الأولياء تأتى من داخل القلب ، من الباب المنفتح على عالم الملكوت ، أما علوم العلماء والحكماء فتأتي عن طريق أبواب الحواس ومسالك العقل البرهاني . على أن هذه التجربة الروحية أصلها - كما قال ابن خلدون - الطاعة
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 727 | محمود حمدي زقزوق