في أرضه وسمائه ، فلا يناجون سواه ، ولا يشهدون غيره ؛ يمشون على الأرض هونا ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، دأبهم الحياء ، إذا سمعوا أحدا يرفع صوته في كلامه ترتعد فرائصهم ويتعجبون ، وذلك أنهم لغلبة الحال عليهم يتخيلون أن التجلي الذي أورث عندهم الخشوع والحياء يراه كل أحد .
فرجال الغيب هم هذه الطبقة ؛ وقد يطلقونه ويريدون به من يحتجب عن الأبصار من الإنس ؛ وقد يطلقونه على القوم الذين لا يأخذون شيئا من العلوم والرزق المحسوس من الحس ولكن يأخذونه من الغيب .
ويرى " ابن عربى " أن الرجل من يكون في الفلاة فينصرف من صلاته بالحال الذي هو في صلاته ، فلا ينصرف معه أحد من الملائكة ، حيث إنهم لا يعرفون أين يذهب . فهذا الرجل وأمثاله هم - عند ابن عربى - رجال الغيب على الحقيقة ، لأنهم غابوا عنده ، فإن رجال الغيب قسمان في الظهور :
منهم رجال غيب عن الأرواح العلى ، ظاهرون للّه لا لمخلوق رأسا .
ورجال غيب عن عالم الشهادة ، ظاهرون في العالم الأعلى 14 .
هذا ، ويختلف معنى الغيب عند شيوخ الصوفية عن معنى الغيب الذي يختص بعلمه الحق تعالى وحده ؛ ويخلط كثير من العامة بين المعنيين ؛ فالذي يقصده الصوفية بالغيب هو ما ستره اللّه سبحانه عن عباده ، فإذا كشف اللّه لبعض عباده الصالحين من الأولياء والصديقين ، وتجلى عليهم بنعمه ، وفاض عليهم بأسراره ، يقال إن الحق - سبحانه - فتح لهم عن بعض مغيباته التي لا يحظى بها إلا عباد الرحمن ، فيعلم الولي حقائق لم يكن يعلمها ؛ وبهذا المعنى يكون الغيب : كل ما يحظى به المريد الصادق من الفتوحات والكشوفات ، والمنن ، والعطايا ، والهبات ، والحقائق ، والأسرار طريق العلم الوهبى أو العلم اللدني الذي يقذفه اللّه تعالى في قلب عبده الصادق فيصبح علما وعالما ومعلوما .
أ . د / محفوظ عزام
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 616
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٦١٦