الغيبة والحضور
الغيبة لغة : بفتح الغين ، من غاب الشئ : غيابة وغيوبا وغيابا وغيبة ، وهي الاستتار عن العين ، أو غيرها من الحواس .
قال تعالى :
وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ النمل : 75 ] . وقد تطلق على السفر ؛ لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا » رواه البخاري .
وبذلك تكون الغيبة في مقابل الحضور .
الغيبة في اصطلاح الصوفية : هي غيبة القلب عن علم ما يجرى من أحكام الخلق ؛ لشغل الحس بما ورد عليه من جناب الحق حتى أنه قد يغيب من إحساسه بنفسه ، فضلا عن غيره . والغيبة كذلك تشمل غيبة السالك عن رسوم العلم ؛ لقوة نور الكشف . وهذا يقتضى الغيبة عن رسوم العادات ، وعن متاع الدنيا ولذتها وزخارفها ، وعن الخلق وأفعالهم والنظر إلى أمورهم وأقوالهم ، وعن النفس وأهوائها وصفاتها ودواعيها وآرائها وظلماتها 1 .
وبناء على مفهوم الغيبة لدى الصوفية وهي غيبة القلب ، فإن الصوفّى قد يغيب عن إحساسه بنفسه فضلا عن غيره ؛ لأن الغيبة بإزاء الحضور ، والغيب بإزاء الشهادة .
فالغيب عن عالم الشهادة حضور في عالم الغيب ، والحضور في عالم القدس غيبة عن عالم الحس ، والحضور مع الحسّ غيبة عن القدس . فإذا أطلقت الغيبة فإنما يعنى بها في الأكثر غيبة النفس عن هذا العلم وحضورها هناك ، ويلاحظ أيضا أن الغيبة عندهم قد تكون لوارد أوجبه تذكّر ثواب أو تذكر عقاب ، وربما كانت تلك الغيبة عن الإحساس ؛ لأجل معنى من المعاني التي كاشف الحق بها عبده ، وربما أريدت الغيبة للأمرين معا ، ومن أمثلة ما سبق :
الأول : كان الربيع بن خيثم يختلف إلى عبد اللّه بن مسعود ، رضي اللّه عنه ، فمّر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماة في الكير ؛ فغشى عليه فلم يفق إلى الغد ؛ فلما أفاق سئل عن ذلك فقال : " تذكّرت أهل النار في النار " . والحاصل أن هذه غيبة