تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
الذي تدركه الحواس . فالعوالم تنحصر كلياتها وأصولها بحسب الصفات الحاضرة في الغيب والشهادة ، لانقسامها إلى الغائب عن الحس والشاهد له . وكل عالم ينظر الحق سبحانه إليه بالإنسان يسمى " شهادة وجودية " ، وكل عالم ينظر إليه من غير واسطة الإنسان يسمى " غيبا " ؛ والغيب على نوعين : غيب جعله الحق تعالى مفصلا في علم الإنسان . وغيب جعله مجملا في قابلية علم الإنسان ؛ فالغيب المفصل في العلم يسمى " غيبا وجوديا " ، وهو كعالم الملكوت ، والغيب المجمل في القابلية يسمى " غيبا عدميا " ، وهو كالعوالم التي يعلمها اللّه تعالى ، ولا نعلمها نحن ، فهي عندنا بمثابة العدم ، فذلك معنى " الغيب العدمي " . ثم إن هذا العالم الدنيوي الذي ينظر إليه بواسطة الإنسان لا يزال " شهادة وجودية " ما دام الإنسان واسطة نظر الحق فيها ، فإذا انتقل الإنسان منها نظر اللّه تعالى إلى العالم الذي انتقل إليه الإنسان بواسطة الإنسان فصار ذلك شهادة وجودية ، وصار العالم الدنيوي غيبا عدميا ، ويكون وجود العالم الدنيوي حينئذ في العلم الإلهي كوجود الجنة والنار اليوم في علمه سبحانه ؛ فهذا هو عين فناء العالم الدنيوي ، وعين القيامة الكبرى والساعة العامة 9 . ويقسّم " ابن الفارض " عالم الغيب إلى ثلاثة عوالم أو ثلاثة أقسام ، وعبرّ عنها بالغيب والملكوت والجبروت " فنزل المحدثات الغائبة عن الحس على اسم الغيب ، وعبّر عن الذات المقدسة بالجبروت ، وعن صفاتها الجسمية بالملكوت ، فرقا بين المحدث والقديم ، والذات والصفات ، والجبروت والملكوت صيغتان للمبالغة بمعني الجبر والملك ، والجبر إما بمعني الإجبار ، من قولهم جبرته على الأمر جبرا وأجبرته : أكرهته عليه ، أو بمعني الاستعلاء من قولهم : نخلة جبارة إذا فاتت الأيدي ، والملك هو التصرف الصحيح بالاستعلاء ، والجبار الملك تعالى كبرياؤه ، منفرد بالجبروت ، لأنه يجرى الأمور مجارى أحكامه ، ويجبر الخلق على مقتضيات إلزامه ، أو لأنه يستعلى عن درك العقول ، وبالملكوت لأنه يتصرف في الخلق على سبيل الاستعلاء ، وله على كل شيء جبروت ، لترفعه بالذات عن كل