في الظاهر وأبرئه في الباطن ، وأخبره بالبراءة من قريب ليستريح ، ولا تبدأ البعض بالعطاء على وجه الصلة لئلا ينحسم بحمل المنة منك ، واجعل أخاك دائما بمنزلة عبدك أو خادمك من جهة لزوم النفقة عليك لا من حيث الرتبة ، أو ارتق به إلى أن تجعله بمنزلة نفسك فتشركه في مالك ، أو أصعد إلى أعلى الدرجات فآثره بمالك على نفسك ، وقدم حاجته على حاجتك ، والأفضل أن تلازم الإيثار ، وتجانب الادخار ، وتترك الخصومات في الأرزاق ، ولا تتكلف لإخوانك بل تكون معهم على مقدار ما لديك ، إن جعت جاعوا ، وإن شبعت شبعوا ، وبذا يكون مقامك بينهم ، أو مجيئهم لديك ، أو خروجهم من عندك شيئا واحدا 56 .
تحقق الأصحاب بالآداب :
نعنى بهذا العنوان أن جملة الآداب السابقة ينبغي التحقق بها ذاتا وصفة وقولا وفعلا ، ويتم هذا التحقق بين الأصحاب ويزداد من خلال التطبيق والتنافس الذي يزكى العمل ، ويقوم الذات ولا يهدمها ، ويدفع كل صاحب عن طريق المحاكاة أو تأثر الطبع بالطبع ، أو النصح والإرشاد إلى المزيد من الخلال الفاضلة والآداب الحميدة ، ولدينا نصان يدفعاننا إلى قوة التنافس وأثر في التخلق والتأدب ، أحدهما يقول : ( التصوف كله اضطراب فإن وقع السكون فلا تصوف ) والآخر ساقه رويم بن أحمد ( 303 ه ) هو هام في موقفنا هنا يقول : ( لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا فإن اصطلحوا هلكوا ) 57 والاضطراب لا يعنى القلق النفسي المرضى بل يراد به التحرك المستمر للصعود ، وكلما حصل المريد على درجة تطلع إلى ما فوقها ، فلا يهدأ طلبا ، ولا يسكن رغبا ، وبما أن العطاءات لا تتناهى فالتطلع والرغبة والشوق إلى ما فوق لا ينقطع ، وأنت ترى أن تلك الحركة المستمرة الدافعة للصوفى تتسم بالذاتية المحضة ، ويلاحقها أو يتابعها ويسير معها التنافر بين مجموعة الطالبين المتحركين نحو العلا ، بحيث تكون هناك حركة ذاتية دافعة وأخرى تنافسية جماعية مؤثرة أيضا ، وبذا يفهم الاضطراب والتنافر ، ولا ينبغي أن يفسر