ويعقب المكي على هذا الخبر قائلا : " . . . لم ينقصه بوجود رأيه مما رآه من الأمر ؛ لأنه نتيجة عقله ، وثمرة فهمه . وإنما نقصه بنظره إليه وإدلاله به دون سبق نظره إلى من أراه ، وبنور هداه ، وإيثار رأيه على رأى من هو أعلم منه ، أو بأن يزرى على رأى غيره افتخارا برأيه " 61 فمن لم يتوقف عند الشبهات وأقدم عليها كان متبعا لهواه معجبا برأيه . وهذا الفهم لمعنى حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السابق يجد ما يؤيده فيما يرويه ابن مسعود عنه صلى اللّه عليه وسلم : « أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ، وسيأتي عليكم زمان خيركم فيه المتأنى » 62 .
كما أنه قبل ذلك منطلق من فهمهم لقوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 ) ( الإسراء : 36 ) فيذهب المكي : إلى أن " الإقدام على الأمور مما لم ينكشف للأسماع ، ولم يظهر للأبصار ، فإن القلوب تسأل عن عقود سوء الظن بها ، والقطع بظاهر الأمر عليها ، وهو معنى قول اللّه تعالى . قفو ما لم يبن علمه ، . . . إذ حقيقة العلم السمع والمشاهدة فلذلك قال :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
( 36 ) وكذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " إياكم والظن . فإن الظن أكذب الحديث ، فمن اشتبه عليه الأمر فقطع به فهو متبع للهوى . ومن تفرس في فعل ، أو أمر غاب عنه حقيقته ، فأخبر به ، وأظهره على صاحبه فقد أساء " 63 .
وهكذا جاءت الدراسة الصوفية لموضوع الخواطر يقترن فيها الجانب المعرفى بالجانب السلوكى ؛ إذ الخاطر عندهم هو المدار الذي تدور عليه مراحل الفعل النفسية لكونه أولى مراحلها ، وقد رتبوا على معرفة جهته واجبات ، وشرطوا لتمييزه شروطا ، وأوجبوا التوقف عن إمضائه حتى يتبين المرء موافقته للكتاب والسنة ؛ فالنظرة الصوفية بطبيعتها لا تغفل البعد السلوكى ، والأخلاقي في دراستها لفكرة ما ، وهذا ما يتضح في دراستهم لموضوع الخاطر ، واستقصاء ذلك البعد في ثنايا كتبهم .
ولعل هذا هو ما ميز الدراسة الصوفية عن مثيلتها الاعتزالية للموضوع ذاته حيث لم تلتفت الأخيرة إلى البعد الأخلاقي للخاطر ؛ وانبناء السلوك الإنسانى على