والبسط حالتان غير إراديتين ، لا يستطيع جهد إنساني أن يحدثهما أو يقضى عليهما ، وذلك أنهما يأتيان من اللّه تعالى ، على أنه حيث تضعف النفس السفلى فلا تستطيع أن تتغلب على العقبات . وحين تنمحى الشهوة ، فإن جميع الرغبات الفانية تنمحى بتجلى الحقيقة ، وهنالك يتمزق الحجاب ويبلغ الذي يطلب الحق غاية مراده 10 .
والمحجوب هو الذي أغلق قلبه دون النور الإلهى ؛ لأن صحوه تهيمن عليه شهوته الخسية أو العقلية .
ويستخدم الصوفية كلمة " الحجاب " بمعان متعددة حسب الحال الذي يتكلمون فيه ، فيقال أحيانا : إن هذا المريد الصادق أو السالك قد كشف عنه الحجاب ، أي رفع عنه حجاب الدنيا ، وظهرت التجليات ، والمنن ، والعطايا التي تتوارد على قلبه ، وأصبح من أهل المكاشفات والفتوحات ، أي أنه وصل إلى مقام الولاية ، وأضحى من أصحاب الأسرار . ويستخدم " الحجاب " - أيضا - بمعنى " الحجب " ، ويكون ذلك عندما يسقط الولي ، ويقع في الالتباس ، فينتكس ويتلف ، فيقال عنه : إنه قد حجب ، أي رجع إلى نظره وبصره وحسه ونفسه ، ومدركاته الحسية ، وفقد المنن الربانية ، والفيوضات الرحمانية ، والعلوم الإشراقية التي تقذف في قلوب الأولياء ، وأهل الحق ، والعارفين باللّه .
ويمكن أن يستخدم " الحجاب " بمعنى " الستر " ؛ أي لا يعرف حال العبد الصالح ، فهو مستور عن الخلق ، معروف للّه ، فلا يعرف مقامه عند الناس ، وما أفاض اللّه به عليه من النعم ، والرحمات والمنن ؛ ولهذا العبد في هذه الحالة حجاب من نفسه على نفسه ، فلا تعلم يده ما ذاقه قلبه من ثمرات المجاهدة 11 .
وهناك مسألة مهمة يجب الإشارة إليها فيما يتعلق بحجاب العقل : هي أن " التقليد " يعد حجابا للعقل ومانعا له من الانطلاق ، ومعوقا له عن التفكير ، ومن هنا نجد اللّه - سبحانه - يثنى على الذين يخلصون للحقائق ، ويميزون بين الأشياء ، بعد البحث والتمحيص ، فيأخذون ما هو أحسن ، ويتركون غيره
فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 18 ) ( سورة الزمر 17 ، 18 ) .
كما نجده سبحانه يندد بالمقلدين الذين لا يفكرون إلا بعقول غيرهم ، ويجمدون على القديم المألوف ، ولو كان