تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
فانظر ما أحسن هذا الكلام ، وما أتم هذه المعرفة باللّه ، وما أقدس هذه المشاهدة نفعه اللّه بما قال . فالعلم باللّه عزيز عن إدراك العقل والنفس ، إلّا من حيث أنه موجود تعالى وتقدس . وكل ما يتلفظ به في حق المخلوقات أو يتوهم في المركبات وغيرها ، فاللّه سبحانه في نظر العقل السليم - من حيث فكره وعصمته « 1 » بخلاف ذلك . لا يجوز عليه ذلك التوهم ، ولا يجرى عليه ذلك اللفظ عقلا من الوجه الذي تقبله المخلوقات فإن أطلق عليه فعلى وجه التقريب على الأفهام ، لثبوت الوجود عند السامع ، لا لثبوت الحقيقة التي هو الحق عليها ، فإن اللّه تعالى يقول :
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
ولكن يجب علينا شرعا من أجل قوله تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ )
« 2 » يقول اعلم من إخبارى الموافق لنظرك ، ليصح لك الإيمان علما ، كما صح لك الإيمان من غير علم الذي هو قبل التعريف ، فأمره فمن أجل هذا الأمر ، على نظر بعض الناس ، ورأيه فيه - نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته ، فنظرنا - على حكم الإنصاف وما أعطاه العقل الكامل ، بعد جده واجتهاده الممكن منه - فلم نصل إلى المعرفة به سبحانه ، إلّا بالعجز عن معرفته « 3 » كما نطلب معرفته « 4 » لأنا طلبنا أن نعرفه كما نطلب معرفة الأشياء كلها من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها . فلما عرفنا أن ثم موجودا ليس له مثل ، ولا يتصور في الذهن ، ولا يدرك ، فكيف يضبطه العقل ؟ هذا لا يجوز - مع ثبوت العلم بوجوده فنحن نعلم أنه موجود ، واحد في ألوهته ، وهذا هو العلم الذي طلب منا ، غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه نفسه عليها ، وهو العلم بعدم العلم .
هامش
( 1 ) يعنى من حيث تفكيره واعتصامه في تفكيره من الزلل . ( 2 ) سورة سيدنا محمد « صلّى اللّه عليه وسلم » ، الآية : 19 . ( 3 ) كما قال سيدنا أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه وأرضاه : « كل ما خطر ببالك فاللّه بخلاف ذلك » وقال أيضا : « العجز عن درك الإدراك إدراك » . ( 4 ) أي إننا : نطلب معرفة اللّه تعالى كما نطلب معرفة المخلوقات .
من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 160 | عبد الرحمن حسن محمود / سعد حسن