تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
اللسان من الأضداد ، يقال للحيض والطهر ، ويقوي من يقول إنه الحيض قوله
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ
فأقام الأشهر مقام الحيض ، وهذا ظاهر ليس بنص ، وأيضا فإن استبراء الرحم إنما يقع بالحيض ، والظاهر في العدة أنها لاستبراء الرحم ، وقد نقل عن العرب « أقرأت المرأة » إذا حاضت وامرأة مقرىء ، وقوله
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
أي لاستقبال عدتهن ، والطلاق المشروع لا يكون إلا في طهر لم تجامع فيه ، فإذا طلق فيه كانت الأطهار غير كاملة . ولابد أن تكون الثلاثة قروء كاملة ، فيتقوى من هذا المجموع أنها الحيض ، فإن قيل يقال « ثلاثة قروء » تجوزا وإن لم تكمل ، قلنا : لا نرجع من الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل ، وهم بلا شك يعتدون بالطهر الذي يطلق فيه ، ولقد رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا بمكة في المنام ، سنة تسع وتسعين وخمسمائة ، وهو عليه السلام في الحرم ، فكنت أقول : يا رسول اللّه إن اللّه يقول
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
وهو من الأضداد ، وأنت أعلم بما أراد اللّه بالقرء في هذه الآية ، إذ أنت أعلم بما أنزل اللّه عليك فقال « إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وكلوا مما رزقكم اللّه » فكنت أقول له : يا رسول اللّه إذا هو الحيض ، فتبسم وقال « إذا فرغ قرؤها فأفرغوا عليها الماء وكلوا مما رزقكم اللّه » فقلت له : إذا هو الحيض يا رسول اللّه ، فتبسم وما زاد على ذلك ، وكنت أفهم منه في ذلك الوقت أنه يريد بقوله « إذا فرغ قرؤها » إذا انقطع عنها الدم « فأفرغوا عليها الماء » أي مروها بالغسل « وكلوا مما رزقكم اللّه » كناية عن الجماع ، وبالجملة إن الآية مجملة لا يظهر فيها ترجيح ، وإنما يطلب الدليل من جهة أخرى ، قال أحمد بن حنبل « الأكابر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقولون الأقراء هي الحيض » ومما يؤيد عندي أنها الحيض قوله تعالى في هذه الآية
وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ
فإن الذي خلق اللّه في أرحامهن إنما هو الدم ، والطهر عبارة عن عدم الدم ، ولا يقال : خلق اللّه العدم ؛ لأن العدم لا شيء ، وهذا من بعض وجوه ما يحتمله لفظ هذه الآية ، فكأنه يريد إذا طلقن حرم اللّه عليهن أن يكتمن أزواجهن الحيض ، ويقلن : قد طهرت ، استعجالا للطلاق ، لما له عليها من حكم الرجعة في زمان العدة ، وهذا التأويل في الآية ظاهر . ( إيجاز البيان / سورة البقرة - آية 229 )