تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧

تعقيب المؤلف :

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي اختص برحمته من شاء من عباده ، وأكرم أولياءه بحضرة إشهاده ، قال تعالى :
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فلاحد لفضله ، ولا منتهى لعظيم منّه ، وقد جاء في الأخبار الصحيحة وفي السير عن الأمم السابقة ما يشير إلى هذا الخير العميم ، وأشار إليه القرآن الكريم ، فذكر عن واحد ممن اختص من بني إسرائيل وهو آصف بن برخيا ، أنه أتى بعرش بلقيس من سبأ اليمن إلى القدس الشريف قبل ارتداد الطرف ، لينبه به الحق عباده على جزيل عطائه وسابغ نعمائه ، فأبت عقول قاصرة إلا أن تحجر فضل اللّه على هذه الأمة المحمدية التي هي خير أمة أخرجت للناس ، وتضع له من عندها حدودا وقيودا ، وذلك أنها لم تر من أنفسها في الحياة الدنيا مثل ما ذكر ، فأوقفت الفضل على ما جاء به النقل ووصل إليه السمع ، وأنكرت مثل هذا العطاء على كل من تحدث بنعمة اللّه عليه ، وقد ثبت في الخبر الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال عن الحق تعالى : « لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يسعى بها - الحديث » . إن عطاء الحق سبحانه ومنحه لمن وصل إلى هذا المقام عطاء لا يقدر قدره ، ولا يعرفه إلا من ذاقه أو كمل إيمانه ، فالحمد للّه الذي أنعم علي بالاطلاع على مثل هذا العطاء الإلهي ، لواحد من الأمة المحمدية ، اختصه اللّه تعالى وأنعم عليه بهذا المقام ، ومكنه من الترجمة عن بعض أذواقه ، ألا وهو الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي ، الذي أبان عن بعض ما أكرمه اللّه تعالى به ، وما منحه من كشف وشهود ، وعلوم تقصر عن دركها أكثر الفهوم ، وأبان عن الطريق الموصل إلى ذلك ، الذي لا يكون إلا بتوفيق اللّه تعالى وعنايته السابقة ، كل ذلك رفعا للهمم ، وتشجيعا للطالبين أعلى الدرجات ، وأقصى الغايات ، تثبيتا للشريعة ، وتحقيقا للطريقة ، حتى يسلكوا على مدرجته ، ويسألوا اللّه استعدادا لحصول رحمته . وكل ما جاء به الشيخ رضي اللّه عنه وجمعته في هذه الترجمة ، لا يقدح في أصل من الأصول الشرعية ، ولا يهدم قاعدة أصولية ، ولا يتطاول ولا يتسور على الخصوصيات النبوية ، وإن كانت الفهوم تكل عن إدراك ذلك ، فلأنها لم تخاطب به أصلا ، ولا كانت