تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
الحياة ، وثمّ خزانة ناقصة ، كالأكمه فإنه لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الألوان ، والخرس لا ينتقل إلى خزانة خياله صور الأصوات ولا الحروف اللفظية ، هذا كله إذا عدمها في أصل نشأته ، وأما إذا طرأت عليه هذه الآفات فلا ، فإنه إذا انتقل بالنوم إلى باطن النشأة ودخل الخزانة ، وجد صور الألوان التي اختزنها فيها قبل طرق الآفة ، وكذلك كل ما أعطته قوة من قوى الحس الذين هم جباة هذه المملكة ، وللّه تجل في هذه الخزانة في صور طبيعية بصفات طبيعية ، مثل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ربي في صورة شاب » وهو ما يراه النائم في نومه من المعاني في صور المحسوسات ، لأن الخيال هذه حقيقته ، أن يجسد ما ليس من شأنه ان يكون جسدا ، وذلك لأن حضرته تعطي ذلك ، وما ثمّ في طبقات العالم من يعطي الأمر على ما هو عليه سوى هذه الحضرة الخيالية ، فإنها تجمع بين النقيضين ، وفيها تظهر الحقائق على ما هي عليه ، لأن الحق في الأمور أن تقول في كل أمر تراه أو تدركه - بأي قوة كان الإدراك - إن ذلك الذي أدركته هو لا هو ، كما قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
فلا تشك في حال الرؤيا في الصورة التي تراها ، أنها عين ما قيل لك إنه هو ، وما تشك في التعبير إذا استيقظت ، أنه ليس هو ، ولا تشك في النظر الصحيح أن الأمر هو لا هو ، فالحق الظاهر بالصورة هو لا هو ، فهو المحدود الذي لا يحدّ ، والمرئي الذي لا يرى ، وما ظهر هذا الأمر إلا في هذه الحضرة الخيالية في حال النوم ، أو الغيبوبة عن ظاهر المحسوسات ، بأي نوع كان ، وهو في النوم أتم وجودا وأعمه ، لأنه للعارفين والعامة ، وحال الغيبة والفناء والمحو وشبه ذلك ما عدا النوم ، لا يكون للعامة في الإلهيات ، فما أوجد اللّه شيئا من الكون على صورة الأمر على ما هو عليه في نفسه ، إلا هذه الحضرة الخيالية ، فلها الحكم العام في الطرفين ، كما للممكن قبول النقيضين ، فيكون له ذلك ذوقا ، فأوجد اللّه هذه الحضرة الخيالية ليظهر فيها الأمر - الذي هو الأصل - على ما هو عليه ، وجعل تعالى هذه الحضرة كالجسر بين الشطين ، للعبور عليه من هذا الشط إلى هذا الشط ، فجعل النوم معبرا ، وجعل المشي عليه عبورا ، قال تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
وجعل إدراك ذلك في حالة تسمى راحة وهي النوم ، وإنما سمينا هذه الحالة من النوم بانتقال ، لأن المعاني تنتقل من تجريدها عن المواد إلى لباس المواد ، كظهور الحق في صور الأجسام ، والعلم في صورة اللبن وما أشبه ذلك ، والانتقال الثاني ،