المفرطة إذا مدها البث ، والبث إذا صاحبه التوقان ، والتوقان إذا خالطه الهيمان ، والهيمان إذا مازجه الارتياع ، والارتياع إذا طمع فخانته الأطماع ، يذوب لها الفؤاد ، ويذهب لها السواد ، ويتصدع لها الجماد ، وينفطر لها السبع الشداد ، والمحبة على قدر المحبوب ، والطلب على قدر المطلوب .
كل محبوب سوى اللّه سرف * وهموم وغموم وأسف
كل محبوب فمنه خلف * ما خلا الرحمن ما منه خلف
إن للحب دلالات إذا * ظهرت من صاحب الحب عرف
صاحب الحب حزين قلبه * دائم الغصّة مهموم دنف
همّه في اللّه لا في غيره * ذاهب العقل وباللّه كلف
أشعث الرأس خميص بطنه * أصفر الوجنة والطرف ذرف
دائم التذكار من حب الذي * حبه غاية غايات الشرف
فإذا أمعن في الحب له * وعلاه الشوق من داء كشف
باشر المحراب يشكو بثه * وأمام اللّه مولاه وقف
قائما قدامه منتصبا * لهجا يتلو بآيات الصحف
راكعا طورا وطورا ساجدا * باكيا والدمع في الأرض يكف
( ذخائر الأعلاق - تاج الرسائل - مسامرات ح 2 )
الوجد :
هو ما يصادف القلب من الأحوال المفنية له عن شهوده ، وهو حزن مما يجده المحب من الهموم ، فالمحب عندما يردّ من مشاهدته في عالم الفناء عن الإحساس المعتاد في عالم الشهادة ، حيث كان مؤنسا ضاحكا في ابتهاج وسرور وغبطة وحبور ، عندما يردّ إلى إحساسه ومشاهدة عالم الضيق والحرج ، وفراق تلك الفسحات والفرج العلوية والمسارح ، تأخذه الوحشة لتلك الفرقة ، ويصير عبوسا مهموما مغموما ، فيتبع المحب تلك المشاهدة بخياله ، ومثاله في نفسه ، فإن المحب إذا رجع إلى عالم الكون ، بعد أنسه بتلك العين المقدسة والشهود الأقدس ، يجد من الألم مثل ما يجده المتعشق عند نزول الموت ، ومفارقة المألوفات التي كان يأنس بها ، فلم يجد رزية أعظم من المنية لمن لا يحب المفارقة ، ومعاينة أسباب الموت