مع اللّه ، فني به عنه ، لما منحه به منه ، وذلك حين زهد في شهواته ولذاته ، وتجوهر في صفاته وذاته ، ففني بمولاه عن تربه ونفسه ، بما أولاه من قربه وأننسه ، عرض عرضه على الخلق ، وجاهر بجوهره لدى الحق ، حتى صار بين الأتراب من عالم التراب ، ومن أولي الألباب عند رب الأرباب ، بقي صورة في الفناء ، ومعنى في عالم الفناء ، فعين السعادة لم تزل ، تلاحظه من قبل الأزل ، فهو في عالم الصور معنا ، وفي عالم الأرواح يشاهد المعنى ، فلما أفناه موجده عن وجوده ، بما حباه من طوله وجوده ، تحيط جوهر روحانيته ، في عرض إنسانيته ، وطمعت في الخلاص الأرواح ، من حصر أقفاص الأشباح ، هتفت بها هواتف الأقدار بالعشي والإبكار ، هذا يقرأ عليها :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
وهذا يتلو عليها :
وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ *
فحينئذ هدرت بلابل بلبالها ، وغردت قماري أقمار أحوالها ، وأنشدت لسان حالها .
يا حسرتي كيف ألقاهم ولي جسد * ولي فؤاد ولي سمع ولي بصر
ماذا أقول إذا قالوا فديتهمو * أين النحول وأين الدمع والسهر
إذا اعتذرت أجابتني محاسنهم * ما لا مرىء لم يمت في حبنا عذر
( ذخائر الأعلاق - مسامرات ح 2 )
الهيبة :
إن الجمال مهوب حيثما كانا * لأن فيه جلال الملك قد بانا
الحسن حليته واللطف شيمته * لذاك نشهده روحا وريحانا
فالقلب يشهده يسطو بخالقه * والعين تشهده بالذوق إحسانا
الهيبة من أثر الجمال على كل حال ، الجمال محبوب وهو أعز مصحوب ، من صحبه الجمال لم يزل في اعتلال ، من زاد شهوده في غلته ، زاد في علته ، إن اللّه جميل يحب الجمال ، فلا تضربوا للّه الأمثال . ( ف ح 2 / 540 - ح 4 / 379 )
جعل العلماء من أهل اللّه الأنس بالجمال مربوطا ، والهيبة بالجلال مربوطة ، وليس الأمر كما قالوه ، وهو أيضا كما قالوه بوجه ما ، وذلك أن الجلال والجمال وصفان للّه تعالى ، والهيبة والأنس وصفان للإنسان ، فإذا شاهدت حقائق العارفين الجلال هابت وانقبضت ، وإذا شاهدت الجمال أنست وانبسطت ، فجعلوا الجلال للقهر والجمال للرحمة ، والحقيقة أن