أما إذا كان في مقام الهيبة كثر أكله ! ، ولا كذلك السالكون فكثرة الأكل لهم دليل على بعدهم من اللّه تعالى ، واستيلاء النفس الشهوانية البهيمية بسلطانها عليهم ، وقلة الأكل لهم دليل على نفحات الجود الإلهى على قلوبهم ، فيشغلهم ذلك عن تدبير جسومهم ، وعن الجوع بكل حال .
وعلى الجملة فإن الجوع سبب داع للسالكين والمحققين إلى نيل عظيم الأحوال والأسرار ، وهو يورث النشاط للطاعة ويذهب الكسل « 1 » .
ولكن ابن عربى يحذر من الإفراط في الجوع ، لأن السالك أو المحقق « إذا أفرط ( في الجوع ) أدى ( ذلك ) إلى الهوس وذهاب العقل وإفساد المزاج « 2 » » لذلك « فلا سبيل للسالك أن يجوع الجوع المطلوب بنيل الأحوال إلا عن أمر شيخ ، فأما وحده فلا سبيل له » « 3 » .
أما إذا كان السالك يسلك وحده فعليه التقليل من الطعام ، أو استدامة الصيام ، ولزوم أكله واحدة بين الليل والنهار ، والابتعاد عن أكل الإدام الدسم ، وعليه أن يتأدم مرتين فقط في الأسبوع حتى يجد شيخا يدبر حاله وأمره إذ الشيخ أعرف بمصالحه منه « 4 » .
ويشير ابن عربى على السالك - إذا كان متسببا بحرفة - أن يجتهد في أن يعمل في يوم ما يتقوت به في أيام ، وألا يأكل إلا عن حاجة « 5 » .
والرياضة الرابعة في طريقة ابن عربى هي رياضة السهر ، « والسهر نتيجة الجوع ، فإن المعدة إذا لم يكن فيها طعام ذهب النوم « 6 » » .
ويقسم ابن عربى السهر إلى قسمين : سهر العين وسهر القلب ، فسهر
هامش
( 1 ) رسالة كنه ما لا بد منه للمريد ، ص 43 .
( 2 ) النور المظهر ، ص 9 .
( 3 ) النور المظهر ، ص 9 .
( 4 ) النور المظهر ، ص 9 .
( 5 ) كنه ما لا بد منه للمريد ، ص 44 .
( 6 ) النور المظهر ، ص 9 .