ألم يقل اللّه تعالى :
« لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ »
، بكمال شروطها . وقد قال النبي : « من نطق بغير ذكر اللّه فهو لغو » « 1 » .
ويظهرنا ابن عربى بعد ذلك على وظيفة إبستمولوجية هامة لرياضة الصمت ، وهي أن « لحال الصمت مقام الوحي على ضروبه ( ومنه إلهام الصوفي ) والصمت يورث معرفة اللّه « 2 » » .
وقد اصطنع رياضة الصمت صوفية آخرون كابن سبعين « 3 » ، وهذه الرياضة - على الرغم من أن ابن عربى يجعلها إسلامية المصدر كما رأيت - فإنها كانت من الرياضات المعروفة قبل الإسلام ، فقد ورد ذكرها في قوله تعالى لمريم
« فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ، فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا »
. وكانت معروفة كذلك لصوفية المسيحيين مثل القديس يوحنا الصليبى « 4 » .
والرياضة الأخرى التي يشير بها ابن عربى على مريديه هي رياضة الجوع ، وهي الركن الثالث من أركان الطريق الإلهى « 5 » .
ويظهرنا ابن عربى على أن الجوع جوعان : جوع اختياري وهو جوع السالكين ، وجوع اضطراري وهو جوع المحققين .
ذلك أن المحقق لا يجوّع نفسه ، ولكن يقل أكله إذا كان في مقام الأنس ،
هامش
( 1 ) النور المظهر ، ص 6 - 7 .
( 2 ) النور المظهر ، ص 7 .
( 3 ) ابن سبعين : مجموعة الرسائل ، نسخة خطية بمكتبة الخزانة التيمورية بدار الكتب ، رقم 149 تصوف ، ص 187 - 188 .
( 4 )Roger Bastide : Les proble ? mes de la vie mystique , Paris 1931 , P . 52 .( 5 ) النور المظهر ، ص 8 - 9 ؛ وانظر الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 248 .