ويبين لنا ابن عربى في كتابه « حلية الأبدال » أن الصمت على قسمين « 1 » :
صمت باللسان عن الحديث لغير اللّه تعالى ، أي عن التكلم لإرادة غير وجهه تعالى ، فإذا كان لإرادته سبحانه كتعليم علم نافع ونحوه فهو جائز ومطلوب .
والثاني صمت بالقلب عن خاطر يخطر له في النفس في كون من الأكوان البتة ، فمن صمت لسانه وسره ظهر سره ، وتجلى له ربه . ومن صمت قلبه ولم يصمت لسانه فهو ناطق بلسان الحكمة ، ومن لم يصمت بلسانه ولا بقلبه كان ملكا للشياطين ، وموضع سخريتهم . هذا وصمت اللسان من منازل العامة وأرباب السلوك ، وصمت القلب من صفات المقربين وأهل المشاهدة .
وحال صمت السالكين السلامة من الآفات ، وحال صمت المقربين مخاطبات التأنيس .
ويرى ابن عربى بعد ذلك أن من التزم الصمت في جميع الأحوال كلها لم يبق له حديث إلا مع ربه ، « فإن الصمت على الإنسان محال في نفسه « 2 » » فإذا انتقل إلى الحديث مع ربه كان نجيّا مقربّا مؤيّدا في نطقه ، إذا نطق نطق بالصواب ، لأنه ينطق عن اللّه ، ويستدل ابن عربى هنا بهذه الآية في حق نبيه : « وما ينطق عن الهوى » ، فالنطق بالصواب نتيجة الصمت عن الخطأ ، والكلام مع غير اللّه خطأ بكل حال ، ولغير اللّه شر من كل وجه ،
هامش
( 1 ) النور المظهر ، ص 7 .
( 2 ) النور المظهر ، ص 6 . ويبدو في هذه العبارة حذق ابن عربى في استخدام منهج الاستبطان السيكولوجى( Introspection )الذي أداه إلى الجزم باستحالة قيام فكر - مهما كان باطنيا - بدون ألفاظ اللغة ، ويذكرنا هذا بما ذهب إليه أحد زعماء الوضعية المنطقية( Logical Positivism )المعاصرين وهو « آير »( Ayer )في كتابه« Thinking and Meaning »من أن عملية الفكر ليست سوى العبارات اللفظية ، أو الكلام مقيدا بشروط خاصة ، وأن التفكير الصامت هو كذلك ألفاظ تجرى في تركيبات معينة ، وإن تكن الألفاظ في هذه الحالة غير مسموعة إلا لصاحبها ، لأن الحركات التي تحدثها أضعف من أن تحرك اللسان والشفتين في صوت مسموع للآخرين ( انظر كتاب أستاذنا الدكتور زكى نجيب محمود ، المنطق الوضعي ، القاهرة 1956 م ، الكتاب الأول ، ص 8 ) .