في كلامه وبيانه وتدريسه ولقائه اولي الإقبال والإيمان . فقد كان خاضعاً لرقابة المنصور وولاته الجائرين وجواسيسه المتنوّعين ، وكان محرَجاً من بعض المتردّدين عليه حتى جاز لنا أن نقول : إنّه كان تحت الإقامة الجبريّة ، ولم يُسمح له بالخروج من المدينة ولقاء أرباب الولاية .
روى الشيخ الكشِّيّ بسنده عن عَنْبَسة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : أشْكُو إلى اللهِ وَحْدَتِي ، وَتَقَلْقُلِي مِنْ أهْلِ المَدِينَةِ حتى تَقْدَمُوا ، وَأرَاكُمْ وَاسَرَّ بِكُمْ . قَلَيْتَ هَذِهِ الطَّاغِيَةَ أذِنَ لي فَاتَّخَذْتُ قَصْراً فَسَكَنْتُهُ وَأسْكَنْتُكُمْ مَعِي ، وَأضْمَنُ لَهُ أنْ لَا يَجِيءَ مِنْ نَاحِيَتِنَا مَكْرُوهٌ أبَداً . « 1 »
وروى أيضاً بسنده عن عيص بن القاسم قال : دخلتُ على أبي عبد الله عليه السلام مع خالي سليمان بن خالد ، فقال لخالي : مَن هَذَا الفتى ؟ ! قال :
هذا ابن أختي ! قال : فَيَعْرِفُ أمْرَكُمْ ؟ ! فقال له : نعم ! فقال : الحَمْدُ لِلَّهِ الذي لَمْ يَجْعَلْهُ شَيْطَاناً . ثمّ قال : يَا لَيْتَنِي وَإيَّاكُمْ بِالطَّائِفِ ، احَدِّثُكُمْ وَتُؤْنِسُونِّي ، وَأضْمَنُ لَهُمْ أنْ لَا نَخْرُجَ عَلَيْهِمْ أبَداً . « 2 »
أجل ، ها نحن نريد أن نختم البحث الأوّل المرتبط بموقع الإمام جعفر الصادق عليه السلام وعلاقاته بالمنصور ، ثمّ ندخل في البحث الثاني الذي يدور حول مدرسة الإمام عليه السلام وعلومه وتلاميذه . فمن المناسب أن نسرد محصّلة لأبحاث الماضي في سياق تثبيتها وتقريرها ، بألفاظٍ للمستشار عبد الحليم الجنديّ :
من كلام لأفلاطون قال فيه : السُّلْطَانُ كَرَاكِبِ الأسَدِ ، يَهَابُهُ النَّاسُ وَهُوَ لِمَرْكُوبِهِ أهْيَبُ .
تبديل الثورة الدينيّة للعبّاسيّين إلى إمبراطوريّة
هامش
( 1 ) - « اختيار معرفة الرجال » ص 233 ؛ و « بحار الأنوار » ج 47 ، ص 185 .
( 2 ) - « اختيار معرفة الرجال » ص 231 . ؛ و « بحار الأنوار » ج 47 ، ص 185 .