وجه الحقيقة بصدأ التمويه والخدع والمكر الفاسد . ولم يَدَع عليه السلام النطق بالحقّ في مثل هذه المواقف وإن أدّى ذلك إلى قتله والقضاء عليه .
لأنّ للحياة شأنها واعتبارها إلى درجة معيّنة ما دامت لا تُفضي إلى التجريد من الشرف الرفيع ، وإلّا فالموت خير من الحياة حينئذٍ .
خطبة والي المدينة واعتراض الإمام الصادق عليه السلام
روى الشيخ الطوسيّ في أماليه عن الشيخ المفيد بسنده المتّصل عن عبد الله بن سليمان التميميّ ، قال : لمّا قُتل محمّد وإبراهيم ابنا عبد الله بن الحسن بن الحسن عليه السلام ، صار إلى المدينة رجل يقال له شَيْبَة بن غفال ، ولّاه المنصور على أهلها . فلمّا قدمها ، وحضرت الجمعة ، صار إلى مسجد النبيّ صلّى الله عليه وآله فرقى المنبر وحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمَّا بَعْدُ ، فَإنَّ عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ شَقَّ عَصَا المُسْلِمِينَ ، وَحَارَبَ المُؤْمِنِينَ ، وَأرَادَ الأمْرَ لِنَفْسِهِ ، وَمَنَعَهُ أهْلُهُ ، فَحَرَّمَهُ اللهُ عَلَيْهِ وَأمَاتَهُ بِغُصَّتِهِ .
وَهَؤُلَاءِ وُلْدُهُ يَتَّبِعُونَ أثَرَهُ في الفَسَادِ وَطَلَبِ الأمْرِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لَهُ ، فَهُمْ فِي نَوَاحِي الأرْضِ مَقْتُولُونَ ، وَبِالدِّمَاءِ مُضَرَّجُونَ .
فعظم هذا الكلام منه على الناس ، ولم يجسر أحد منهم ينطق بحرفٍ . فقام إليه رجل عليه إزار قومسيّ سخين ، فقال :
وَنَحْنُ نَحْمَدُ اللهَ وَنُصَلِّى عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَسَيِّدِ المُرْسَلِينَ ، وَعَلَى رُسُلِ اللهِ وَأنْبِيَائِهِ أجْمَعِينَ ! أمَّا مَا قُلْتَ مِنْ خَيْرٍ فَنَحْنُ أهْلُهُ ، وَمَا قُلْتَ مِنْ سُوءٍ فَأنْتَ وَصَاحِبُكَ بِهِ أوْلَى . فَاخْتَبِرْ يَا مَنْ رَكِبَ غَيْرَ رَاحِلَتِهِ ، وَأكَلَ غَيْرَ زَادِهِ ! ارْجِعْ مَأزُوراً !
ثمّ أقبل على الناس ، فقال :
ألَا انَبِّئُكُمْ بِأخْلَى النَّاسِ مِيزَاناً يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَأبْيَنِهِمْ خُسْرَاناً ؟ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ، وَهُوَ هَذَا الفَاسِقُ !
فأسكت الناس ، وخرج الوالي من المسجد لم ينطق بحرفٍ . فسألتُ