هامش
والطوسيّ ، وغيرهما ، ورووا عن أبي عبد الله الصادق نقيض ما ادّعاه الكلينيّ . وكرّر هذه العبارة وما إليها في صفحات الكتاب مرّات ومرّات . إنّ أبا زهرة يصوّر الكلينيّ ، وكأنّه قد تفرّد بهذا القول دون غيره ، وتصويره هذا بالتضليل أشبه ، كما يتّضح ممّا يأتي : ولستُ أدري كيف ذهل الشيخ عن وجه الشبه فيما نقله الكلينيّ في « الكافي » ، وما نقله كلّ من البخاريّ ومسلم في صحيحيهما ؟ قال البخاريّ في ج 8 ، ص 209 ، طبعة سنة 1377 ه - : جلس عمر على المنبر . فلمّا سكت المؤذّن ، قام ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّي قائل لكم مقالة قد قدّر لي أن أقولها ، لا أدري لعلّها بين يدي أجلي . فمن عقلها ووعاها فليحدّث بها ، حيث انتهت به راحلته . ومن خشي أن لا يعقلها ، فلا احلّ لأحدٍ أن يكذب علَيّ . إنّ الله بعث محمّداً بالحقّ ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا انزل آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها وو عيناها ، ورجم رسول الله ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله . والرجم في كتاب الله حقّ على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البيّنة أو كان الحبل ، أو الاعتراف . ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم . ونقل البخاريّ أيضاً في ص 86 ، ج 9 ، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء ، عن عمر بن الخطّاب أنّه قال : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتُ آية الرجم بيدي . هذا ما جاء على لسان الخليفة الثاني في « صحيح البخاريّ » . وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه ، ص 107 ، القسم الأوّل من الجزء الثاني طبعة سنة 1348 ه - ، ولم يذكر فيه : أن لا ترغبوا عن آبائكم . . . إلى آخره ، مع العلم بأنّ ليس في القرآن ما يُشعر بوجوب الرجم والرغبة عن الآباء .
وقال السيوطيّ في « الإتقان » ج 1 ، ص 60 ، مطبعة حجازيّ بالقاهرة : أوّل من جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد . وكان الناس يأتون زيد بن ثابت . فكان لا يكتب آية إلّا بشاهدَي عدل . وإنّ آخر سورة براءة لم توجد إلّا مع خزيمة بن ثابت ، فقال - أي : أبو بكر - اكتبوها ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جعل شهادته بشهادة رجلين ، فكتب . وإنّ عمر أتى بآية الرجم ، فلم يكتبها ، لأنّه كان وحده .
وإذا كان أبو زهرة لا يقبل أحاديث الكلينيّ ، لأنّه روى حديث التحريف - كما قال - فعليه أن لا يقبل أحاديث البخاريّ جملة وتفصيلًا لمكان هذا الحديث الصريح الواضح بالتحريف بشهادة عمر بن الخطّاب . إنّ ما ذكره الكلينيّ في هذا الباب لا يختلف في النتيجة عمّا ذكره البخاريّ ومسلم . فلما ذا تحامل الشيخ على الكلينيّ ، وسكت عنهما ؟ بل قال أبو زهرة في كتاب « الإمام زيد » ص 245 : والبخاريّ ذاته ، وهو أصحّ كتب السُّنّة إسناداً قد أخذتُ عليه أحاديث . وما كان ذلك مسوّغاً لتكذيب البخاريّ ولا مسوّغاً لنقض الصحيح الذي رواه ، وعدم الأخذ به .
وأيضاً روى البخاريّ في الجزء الرابع باب طفَّة إبليس وجنوده ، عن عائشة أنّها قالت : سُحِر النبيّ ، حتى كان يخيّل إليه أنّه يفعل الشيء ، وما يفعله . وقد كذّبه في ذلك الجصّاص أحد أئمّة الحنفيّة ، قال ما نصّه بالحرف : وقد أجازوا مِن فعل الساحر ما هو أطمّ وأفظع ، ذلك أنّهم زعموا أنّ النبيّ صلى الله عليه [ وآله ] وسلّم سُحِرَ ، وأنّ السِّحر عمل فيه ، حتى قال : إنّه يخيّل إليّ أنّي أقول الشيء ، ولا أقوله ، وأفعله ، ولم أفعله ، إلى أن قال الجصّاص : ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين . ( « أحكام القرآن » للجصّاص ، ج 1 ، ص 55 ، طبعة سنة 1347 ه - ) .