ليأخذوا به ويوردوه مورد العمل كما قال تعالى : يَا أيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأنزَلْنَآ إلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا . « 1 » وقال : لَقَدْ أنزَلْنَآ إلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أفَلَا تَعْقِلُونَ . « 2 »
فيكون محصّل المعنى أنّ القصد بنزول هذا الذكر إلى عامّة البشر وأنّك والناس في ذلك سواء . وإنّما اخترناك لتوجيه الخطاب وإلقاء القول لا لنحمّلك قدرة غيبيّة وإرادة تكوينيّة إلهيّة فنجعلك مسيطراً عليهم وعلى كلّ شيء ! بل لأمرين :
أحدهما : أن تبيّن للناس ما نُزِّل إليهم ، لأنّ المعارف الإلهيّة لا ينالها الناس بلا واسطة ! فلا بدّ من بعث واحدٍ منهم للتبيين والتعليم . وهذا هو غرض الرسالة ينزل إليه الوحي فيحمله ثمّ يؤمر بتبليغه وتعليمه وتبيينه .
والثاني : رجاءَ أن يتفكّروا فيك فيتبصّروا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله . فإنّ الأوضاع المحيطة بك والحوادث والأحوال الواردة عليك في مدى حياتك من اليُتم ، وخمود الذكر ، والحرمان من التعلّم والكتابة ، وفقدان مُرَبّ صالح ، والفقر والاحتباس بين قوم جهلة أخسّاء صفر الأيدي من مزايا المدنيّة وفضائل الإنسانيّة ، كانت جميعاً أسباباً قاطعة أن لا تذوق من عين الكمال قطرة ، ولا تقبض من عُرى السعادة على مسكة ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أنزل إليك ذكراً تتحدّى به الجنّ والإنس مهيمناً على سائر الكتب السماويّة تبياناً لكلّ شيء وهدى ورحمة وبرهاناً ونوراً مبيناً .
( إلى أن قال ) : ومن لطيف التعبير في الآية قوله : وَأنزَلْنَآ إلَيْكَ ، و : مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ بتفريق الفعلين بالإفعال الدالّ على اعتبار الجملة والدفعة ،
هامش
( 1 ) - الآية 174 ، من السورة 4 : النساء .
( 2 ) - الآية 10 ، من السورة 21 : الأنبياء .