تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
نقل لنا التأريخ أنَّ ظروف الحكومة والرئاسة كانت مهيّأة للإمام الصادق عليه السلام أكثر من غيره ، وأنَّ متطلّباتها ووسائلها كانت ميسّرة له أفضل من الآخرين ، وذلك بعد ثورة المسلمين على الحكومة الأمويّة ، وحركة أبي مسلم الخراسانيّ ضدّ النظام الأمويّ . بَيدَ أنَّ الإمام لم يَخْطُ على هذا الطريق خطوة واحدة ، لأنه كان يعلم جيّداً أنه لو تسلّم مقاليد الأمور ، فإنَّه سيكرّس وقته كلّه من أجل الإصلاحات العمليّة والمباشرة في تنظيم البلاد والمدن ، واستبدال أهل العدل بأهل الجور ، وترتيب شؤون الديوان والقضاء وسائر الشؤون كالحرب وقمع المعارضين ، فلا يبقى حينئذٍ مجال للمدرسة العلميّة وتبيان السنّة المحمّديّة ، والانشغال بالفقه والتفسير والحديث ، واستبدال السنن المحمّديّة بالسنن الجاهليّة ، وكشف الحقائق للناس ، وعرض الولاية ، وحقيقة النبوّة عليهم ، وطرح الإسلام الصحيح القويم على الأجيال جيلًا بعد جيل حتّى يوم القيامة ، وهذه المدرسة العلميّة تحتاج إلى وقت طويل وجهاد عظيم . فلهذا لم يهدأ الإمام لحظة واحدة على امتداد ثلاثين سنة ، إذ كان يمارس نشاطه العلميّ ليل نهار عبر جهاد النفس والجهود التي لم تعرف الكلل والملل . واستطاع أن يعرض الدين الصحيح ، ويحيى روح النبيّ وعليّ والولاية . فلهذا عرفت المدرسة الشيعيّة بالمدرسة الجعفريّة ، مع أنَّ الأئمّة عليهم السلام جميعاً كانوا حماة هذا الدين وهذا النظام الصحيح ، إلّا أنَّ الظروف العلميّة كانت مؤاتية للإمام أكثر من غيره ، بخاصّة في ذلك العصر الذي اهتمّ فيه العلماء من شتّى الأديان والمذاهب بنشر آثارهم وبثّ علومهم وعقائدهم بكلّ حرّيّة ، وكذلك اهتمّ الحكماء والمتكلّمون والفلاسفة من كلّ مذهب وفرقة بما اهتمّ به أولئك العلماء . فاقتضت إرادة الله أن يكون الإمام هو فارس الميدان في هذا المجال . فقا بتشكيل المدارس العلميّة في المدينة والعراق ، وانبري إلى تربية الطلّاب