وعلى هذا الأساس ، وبناءً على أصل الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام فإنّ من المستحبّ المؤكّد هو أنّ على الحجّاج أن لا يذهبوا من مكّة إلى عرفات مباشرة ، بل عليهم أن يبيتوا ليلة عرفة بمنى ، ويتوجّهوا إلى عرفات صبيحة يوم عرفة .
وقد تحرّك صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى عَرَفَات صبيحة يوم عرفة بعد طلوع الشمس ، وأمر أن يضربوا قبابهم بنَمِرَة . « 1 »
ولأنّ قريش كانوا يرون أنّهم أهل الحرم ، لذا فقد كانوا لا يخرجون من المشعر الحرام الذي هو داخل الحرم أثناء الحجّ ، ويجعلون وقوفهم عند المشعر . وكانوا يقولون : إنّ الوقوف في عرفات ، وهي خارج الحرم لغير قريش . ومن هذا المنطلق فإنّ رسول الله لمّا تحرّك من منى ، لم تشكّ قريش - وهو منها - أنّه سيقف في المشعر ؛ إلّا أنّ ظنّها لم يصدق ، إذ إنّه توجّه من منى إلى عرفات ونزل قبّة قد ضربت له بنَمِرَة . « 2 » ووفقاً لقوله تعالى : ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أفاضَ النَّاسُ وَأسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ . « 3 » فإنّه جعل الوقوف في عرفات . وتحرّك من هناك إلى المشعر
هامش
( 1 ) - نَمِرَة - بفتح النون وكسر الميم - ناحية بعرفة نزل بها النبيّ صلّى الله عليه وآله . وقيل : الحرم من طريق الطائف على طرف عرفة من نمرة على أحد عشر ميلًا . ( « معجم البلدان » ج 8 ، باب النون والميم ) .
( 2 ) - « البداية والنهاية » ج 5 ، ص 170 ؛ و « السيرة الحلبيّة » ج 3 ، ص 289 ؛ و « الوفاء بأحوال المصطفى » ج 1 ، ص 211 .
( 3 ) - نقل في « السيرة الحلبيّة » ج 3 ، ص 289 ، عن ابن الجوزيّ قوله : حجّ [ رسول الله ] صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم قبل النبوّة وبعدها حججاً لا يُعلم عددها . أي : وكان قبل النبوّة يقف بعرفات ويفيض منها إلى مزدلفة مخالفاً لقريش توفيقاً له من الله ، فإنّهم كانوا لا يخرجون من الحرم . فإنّهم قالوا : نحن بنو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأهل الحرم وولاة البيت وعاكفو مكّة . فليس لأحد من العرب منزلتنا ، فلا تعظّموا شيئاً من الحلّ . أي : كما
تعظّمون الحرم ، فإنّكم إن فعلتم ذلك استخفّت العرب بحرمكم ، وقالوا : قد عظّموا من الحلّ مثل ما عظّموا من الحرم . فليس لنا أن نخرج من الحرم . نحن الحمس . فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منه إلى المزدلفة ، ويرون ذلك لسائر العرب .