إلّا اللهُ عزّ وَجَلَّ . لَقَدْ هَمَمْتُ بِضَربِ جَارِيَتي فَهَرَبَتْ مِنِّي ، فَمَا عَلِمْتُ في أيّ بُيُوتِ الدَّارِ هِيَ . قَالَ سديرٌ ، فَلَمّا أنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَصَارَ في مَنْزِلِهِ ، دَخَلْتُ أنَا وَأبُو بَصِيرٌ وَمُيَسِّرٌ وَقُلْنَا : جَعَلَنَا اللهُ فِدَاكَ ، سَمِعْنَا وَأنْتَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا في أمْرِ جَاريَتِكَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أنّكَ تَعْلَمُ عِلْماً كَثِيراً وَلَا نَنْسِبُكَ إلى عِلْمِ الْغَيْبِ ! قَالَ : فَقَالَ : يَا سَدِيرُ أمَا تَقْرَا الْقُرآنَ ؟ قُلْتُ : بلى . قَالَ : فَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا قَرَأتَ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ : قَالَ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ « 1 » أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَّرْتَدّ إلَيْكَ طَرْفُكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ قَرَأتُهُ . قَالَ : فَهَلْ عَرَفْتَ الرَّجُلَ وَهَلْ عَلِمْتَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أخْبِرنِي بِهِ . قَالَ : قَدْرُ قَطرَةٍ مِنْ مَاءٍ الْبَحْرِ الأخْضَرِ ، فَمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ : مَا أقَلَّ هَذَا ! فَقَالَ : يَا سَديرُ ، مَا أكْثَرَ هَذَا أنْ يَنْسِبَهُ اللهُ عزَّ وَجلَّ إلى الْعِلْمِ الذي اخْبِرُكَ بِهِ . يَا سَديرُ ، فَهَلْ وَجَدْتَ مَا قَرَأتَ في كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أيضاً : قُلْ كفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَرَأتُهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ . قَالَ : فَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ كُلِّهِ أفْهَمُ أمْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ بَعْضِهِ ؟ قُلْتُ : لَا ، بَلْ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ كُلِّهِ « 2 » . قَالَ : فَأوْمَى
هامش
( 1 ) - يعني آصف بن برخيا وصيّ ووزير سليمان عليه السلام ، وذلك حين دعا سليمانُ بلقيس إلى الإسلام هي وقومها وإلى عدم الاستعلاء عليه وأن يأتوه مسلمين ، فكان ذات يوم جالساً في مجلسه فقال لمن حوله من الجنّ المسخّرين له : من يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ؟ قال : يَا أيهَا الْمَلُا أيُّكُمْ يَّأتِينِي بعَرْشِهَا قَبْلَ أن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ ، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن تَقُومَ مِن مقَامِكَ وَأنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أمِينٌ ، قَالَ الذي عِندَ هُو عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أنَا ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ( الآيات 38 إلى 40 ، من السورة 27 : النمل . )
( 2 ) - حيث إنّ نسبتهما كنسبة البحر الأخضر ( المحيط الأطلسيّ ) إلى