والجميع يعلم أنّ إسلام عمر كان في السنة السادسة من البعثة في مكّة ، وهذا دليل على أنّ الآية كفى بِاللهِ شَهِيداً نزلت في مكّة لا في المدينة ، ولا علاقة لها بعبد الله بن سلام . فاتّضح من جميع ما قلناه مفصّلًا أنّ آيات سورة الرعد كلّها كسلسلة متّصلة الحلقات ، وهذه الآية ناظرة إلى الآية الأولى والآية التاسعة عشرة ، وجواب المشركين في الآية السابعة والآية السابعة والعشرين بحيث أنّ ثمرة السورة تقتطف بهذه الآية . وكم هو سقيم وليس في محلّه أن نقول بأنّ السورة تنزل في مكّة ، وأنّ هذه الآية التي هي ثمرة السورة واختتامها تتأخّر عنها إلى أجل غير مسمّى ، ثمّ تنزل في المدينة بعد سنين من نزول السورة في مكّة ! والعجيب أنّ البعض من أمثال أبي السُّعود . « 1 » وابن تيميّة ، « 2 » يدّعي أنّ الآية مدنيّة بالاتّفاق .
الاحتمال السادس يقول أنّ المراد بالكتاب هو القرآن المجيد والمراد بالعالِم به هو العالِم بالقرآن ، وهذا هو قول الأصمّ . « 3 » والمعنى أنّ من تحمّل معاني هذا القرآن ، واختصّ بعلمه شاهد على أنّ القرآن من الله وأنّي رسول الله . وفي هذه الحالة يصبح آخر السورة ناظراً إلى أوّلها ، وهو قوله : تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ وَالذي انْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ . وكذلك فأنّه يؤكّد الآية الواقعة في وسطها ، وهي قوله : أفَمَن يَّعْلَمُ انّمَا انْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أعْمَى . وهذه الشهادة من العالِم بالقرآن المجيد حيال المشركين هي - في الحقيقة - تأييد من الله لأحقّيّة الكتاب والرسالة في مقابل المشركين الذين قالوا مرّتين : لَوْلَا انْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ . وقالوا
هامش
( 1 ) - « تفسير أبي السعود » ج 3 ، ص 235 .
( 2 ) - تفسير « الميزان » ج 11 ، ص 425 .
( 3 ) - « تفسير الفخر الرازيّ » ج 19 ، ص 70 .