للحقّ ، بل انّها تدعي هداية إلى الحق من باب المسامحات العرفيّة ، فالهداية إلى متن الحق هي الوصول إلى متن الواقع ، وهي فقط لله وللواصلين اليه سُبحانه دون واسطة الغير .
الثانية : انّ المراد بالهداية إلى الحق في هذه الآية ، هو الإيصال إلى المطلوب ، لا بمعنى إراءة الطريق إلى الله ، لأنّ من البديهي انّ إراءة الطريق أمرٌ سهل ممكن لكلّ شخص ، سواءً كان إماماً أم لم يكن ، وسواءً اهتدى بنفسه أم بغيره ، وسواءً كان ضالّا غير مهتد أصلًا ؛ فالهداية بمعنى إراءة الطريق ستكون على كلّ حال أمراً ممكناً لهم ، ولكنّ الإيصال إلى متن الواقع والحق وكمال كلّ موجود أمرٌ مختصٌ بالمهتدين بأنفسهم والهادين إلى الحق .
الثالثة : انّ المراد بجملة (
لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى
) هو الذي لم يهتدِ بنفسه ، وهو أعمّ من غير المهتدي أصلًا ، أو المهتدي بالغير ، والدليل على عموميّتها أنّ جملة ( إلّا أن يُهْدَى ) وهي استثناء من جملة ( لَا يَهِدِّي ) جاءت مع ( أنْ المصدريّة ) . وهذه الجملة لا تدلّ على تحقّق الوقوع ، خلافاً للمصدر المضاف .
وهناك فرق بين أن نقول ( أعجبني ضربُك ) أو أن نقول ( أعجبني أن تضرب ) ، فالإعجاب من نفس الضرب في الصورة الأولى متحقّق في الخارج ، بينما الإعجاب في الصورة الثانية من إمكان تحقّق الضرب ، وقد نصّ على هذا المطلب الشيخ عبد القاهر الجرجاني في ( دلائل الإعجاز ) .
وعلى ذلك فانّ جملة (
إِلَّا أَنْ يُهْدى
) لا تعني كونه الآن مهتدياً بالغير ، بل تعني انّه ( ولو أمكن أن تصل الهداية اليه من الغير ) . ومن الواضح انّ الهداية من الغير ستكون في حال قبول الهداية ، وامّا إذا كان غير قابل للهداية فانّ الهداية من الغير لن تصل اليه ، ولذلك فانّ جملة ( لَا