تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
ومن الواضح أنّ الشفاعة هي تبديل السيّئة حسنةً . وقد أوردنا في هذا البحث أنّ حقيقة الشفاعة تتمثّل في تبديل السيّئة حسنة بواسطة القُرب بين الشافع والمشفوع له . والرواية السابقة عن سعد الخفّاف في شفاعة القرآن تعطي معنى عامّاً في شفاعة الأعمال الحسنة الصالحة . ونلحظ في هذا المجال في الأخبار والآثار قصصاً عجيبة في غفران الذنوب بواسطة عمل حسن ، كالرحمة بالأتباع والمرءوسين ، والعفو عن المذنبين ، والعطف على الأيتام وذوي القلوب المنكسرة والمرضى ، وإطعام الجياع ، وسقي العطشى وغير ذلك ؛ أي تلك الأعمال التي يقوم بها المرء دون انتظار لجزاء أو أجر ، بل يقوم بها ممحّضةً خالصة للّه تعالى ، سواء كانت إحياءً لنفس أم دفعاً لظلم وحيف . وهذه الأعمال النابعة عن صفاء الباطن ، والمستورة التي لا يطّلع عليها أحد ، والتي تقع في موضعها المناسب ، هي بمثابة الصاعقة التي تُحرق بيدر الذنوب ، وكالنور الإلهيّ الذي يخترق الحجب النفسانيّة في سرعة وتأثير ونفع لا حدّ لتصوّرها ، وخاصةً لسالكي طريق الله تعالى ، إذ كثيراً ما يحصل للمحجوبين الذين قضوا مدّة طويلة في الهجران ، أن ينالوا مقامات ودرجات من خلال نهوض في جوّ الشتاء القارس لتقديم قدح من الماء للُامّ ، ومن خلال تمريضها عند المرض والابتلاء ، ومن خلال تحمّل أذاها وكلامها القارص . وقد ورد في كتب الأخلاق مطالب ناجعة لرفع الانقباض ولحصول الانفتاح المعنويّ لدى السالك ، تتلخّص في عيادة المرضى ، وبخاصّةٍ الفقراء منهم والمنكسرة قلوبهم . وأنشد الشيخ سعدي الشيرازيّ في هذا الشأن :