الدنيا ، إذ إنّ طائر الإنسان يلازمه في الدنيا وعند الموت وفي البرزخ وفي المحشر ، وسيُشاهد المرء يوم القيامة بهذه النفس - التي يلازمها هذا الطائر - عين عمله وقد نُشر للعيان ؛ ومفاد آية : وَنُخْرِجُ لَهُ . . . كِتَابًا هو نفس مفاد آية : وَإذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ . « 1 » ويستفاد من جملة : اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا .
إنّ هذا الكتاب هو غير الكتب والصحائف العاديّة التي تُعطى للناس فيقرءونها ، ولو كانت كذلك لأمكن لجميع الناس قراءتها ومحاسبة بعضهم البعض الآخر . ولكن يتّضح من قوله اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا أنّ المراد هو الاطّلاع والهيمنة والتسلّط الذي يحصل لكلّ نفس على أعمالها . فالمراد - إذاً - من أمر « اقْرَأ » هو قراءة النفس المنسجمة مع ذلك العالم . وهذه الآية في مصافّ الآية الشريفة : يُنَبَّؤُا الإنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ . « 2 »
فهنيئاً للذين سلّموا قلوبهم إلى الله سبحانه ، وجعلوها سجلّ تدوين تجلّيات الحقّ الجماليّة والجلاليّة ، وللذين يخلو كتابهم من غير الله وذكره . نسأله تعالى بحقّ الأطهار والواصلين إلى حريم قدسه أن يعبر بنا من الغفلة والحُجب الظلمانيّة والنورانيّة ، وأن يجعل قلوبنا مركزاً للحقّ ، فلا يدوّن في صحائفنا غير ذلك المحبوب الأزليّ الأبديّ .
رهي باشد از اين ماتم به آن سور * نميدانم كه نزديك است يا دور « 3 »
هامش
( 1 ) - الآية 10 ، من السورة 81 : التكوير .
( 2 ) - الآية 13 ، من السورة 75 : القيامة .
( 3 ) - « ديوان حبيب » للمرحوم الميرزا حبيب الله الخراسانيّ ، ص 199 .