تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
يقابله في ذلك العالم ، وعلى الإنسان أن لا يتغافل ، إذ أنّه سيجد نفسه فجأة أمام جزاء أعماله القبيحة ، وأمام جهنّم التي أحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا . إن من لا يمكنه أن ينكر نفسه أو ينكر وجوده ، فلا يمكنه كذلك أن ينكر الله تعالى ، لأنّ وجود الإنسان ملازم لوجود الله . ( أنا موجود ) تعني ( الله موجود ) . كما أنّ من لا يمكنه إنكار فعله أو إنكار سلوكه وسيرته ، فإنّه لا يمكنه إنكار القيامة . فالسلوك والسيرة ملازمان للجزاء ، بل هما عين الجزاء . عملي يعني جزائي . فعلي يعني جزائي .

يوم القيامة يوم الفصل والحكم بالحقّ

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ . « 1 » إن هؤلاء المرضى ينكرون - من أجل أصالة المادّة - الحياة الأبديّة والمعنويّة وحقيقة تجرّد الروح ؛ وينكرون المعاد كي لا يتخلّفوا عن قافلة عبدة الدنيا والمتأثّرين بها ، ويلجون هذا البحر الخضمّ اللامتناهي غير مبالين . إن هذا الإنسان الذي توصّل إلى مقام خليفة الله ، وصار عنوانَ ومَظهر الله ، قد أسقط نفسه وحطّها في دركات ذلّ المادّة ، وانغمر في الجاه والآمال الجوفاء التي لا أساس لها ، بحيث صار كمثل الوحوش التي تجتمع على الجيف ، وصار ينفق فكره وذكره ودرسه وبحثه وهمّه ومراحل عمره في تناول الجيف . وأصبح لا يفهم شيئاً إلّا البطن والمادّة والاقتصاد ولا يتوكّأ على أساس ، فلا أصالة ولا وجدان ولا روح ولا قيامة . ويقول : لا شيء إلّا الدنيا وشؤونها ، وينبغي التوكؤ عليها . وما أكبرها من تهمةٍ للّه ، ولمقام الإنسان ، وللخلقة !
هامش
( 1 ) - الآية 26 ، من السورة 34 : سبأ .