جعلتم هذا الإنسان الشريف الملكوتيّ ، الذي هو مرآةٌ تامّة الظهورِ للحقّ وصفات جماله وجلاله ، ومظهر أسمائه العليا ، الإنسان الذي جاء إلى الدنيا لكسب الفيض والكمال ؛ جعلتموه حيواناً يقتات على الجيف .
وأنزلتموه - بهذه المدارس المادّيّة والأنظمة الاقتصاديّة - عن مقام المعنى والروحانيّة ، ووضعتموه في مصافّ البهائم شبيهاً بالسباع والوحوش . قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ .
سنجتمع أخيراً عند الله فيفصل بين منطقنا ومنطقكم ، ويحكم بالحقّ ، ذلك اليوم هو يوم الجمع .
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ . « 1 »
رَبَّنَآ إنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ . « 2 »
لقد قدم الناس تدريجيّاً إلى الدنيا ، ثمّ يرحلون عنها ، فقد جاء بعضهم قبل ألف سنة ، وبعضهم لم يولد إلى الآن ، وسيولد بعد ألف سنة . وجاء جماعة قبل آلاف السنين وستجيء جماعة في المستقبل ، لكنّ الله سُبحانه سيجمع الجميع في عالم واحد وفي يوم واحد . هناك حيث يوم الجمع ؛ وسيجمع الله الناس كلّهم ثمّ يحكم بينهم ويفصل بينهم على أساس النوايا والعقائد والأعمال ، فمن كان له مظلمة في الدنيا أو معضلة لم تحلّ أو حقّ سُلِبَ منه فلم يتمكّن من استرداده ، ولم تكن له حجّة أو منطق يمكنه به استرداد حقّه في الدنيا ؛ أو كانت له حقيقة تجلّت له فأصرّ على إفهامها الناس فلم يدركوها أو يقتنعوا بها ؛ فإنّ كلّ تلك الأمور سيُفصل فيها هناك ، وسيعود الحقّ إلى أهله ، وَكُلُّ شَيءٍ يَرْجِعُ إلَى أصْلِهِ . وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ .
هامش
( 1 ) - صدر الآية 9 ، من السورة 64 : التغابن .
( 2 ) - الآية 9 ، من السورة 3 : آل عمران .