وتلك الجماعة المجبولة على الظلم والجور ، التي عُجنت أرواحها بالكذب والافتراء ، وخُلطت بالشقاء والقسوة ، موجودة هناك في شبكات نوريّة بعيدة وضعيفة جدّاً ، وممزوجة بظلمة الحجب الظلمانيّة ؛ وأنّ بلّور قلوبهم المخلوط بالرين والشين سيجعل ذلك النور الإلهيّ المجرّد الطاهر البسيط في شبكات القلب المظلمة والعفنة الملوّثة في هيئة نور خافت ومعتم يدخل في قلوبهم . وذلك أنّ البلّور المعتم يجعل النور معتماً ، والبلّور الداكن يجعل اللون داكناً .
فأمرهم من حيث إشعاع النور غير قابل للإنكار ، أمّا من جهة تلوّثه بالهواجس النفسيّة وحجب الإدراك والبصيرة الباطنيّة ، فإنّهم سيصبحون في العتمة والحجاب ومظاهر البُعد
المغيرة بن شعبة يُغالط متعمّداً
. وجاء في « نهج البلاغة » ما نصّه :
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِر ( وَقَدْ سَمِعَهُ يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً ) : دَعْهُ يَا عَمَّارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَأخُذْ مِنَ الدِّينِ إلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا ؛ وَعَلَى عَمْدٍ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِهِ . « 1 »
وهذا الوصف من الإمام للمغيرة ممّا يثير العجب ، أن يصل امرؤٌ إلى الحدّ الذي يتّخذ فيه - عالماً عامداً - ستاراً من الشبهات للدعاوى الباطلة ، كي يجعل لباس الشبهة ذلك وجهه الموجّه يوم المحاكمة وفي أوساط الناس .
وتمثّل هذه الحالة نفاقاً باطنيّاً شديداً ، إذ يتجاهل الإنسان ويظهر عدم الاطّلاع متعمّداً مع علمه وبصيرته وتنوّره ووعيه ، ويحاول الفرار من مؤاخذة الناس حفظاً لكرامته ، وذلك بحمل أعمال الناس على وجه
هامش
( 1 ) - « نهج البلاغة » الحكمة 405 ، ج 2 ، ص 231 ؛ طبعة عبده - مصر .