غير صحيح مع علمه أنها صحيحة ، أو بحملها على وجه صحيح مع علمه بخطئها وعدم صوابها . وباتّخاذه موارد الشبهة تلك مستمسكاً لعمله . وهذا نوع من الظلمة في عالم النور ، ونوع من العمى في عالم الإبصار ، وسيظهر في عالم القيامة على هذا النحو والكيفيّة .
وهناك أفراد كثيرون من هذا القبيل في المجتمع ، من الذين يجعلون الدين آلة لنيل الدنيا ، فيصلّون ويخطبون خطباً خادعة ليحكموا في الدنيا . وقد استخدم سيّد الشهداء عليه السلام استعارة لطيفة للتعبير عن أهل الدنيا وكيفيّة استخدامهم الدين للوصول إلى نواياهم ومقاصدهم الدنيويّة ، وذلك في خطبة قصيرة له خطبها في « ذي حسم » عند مسيره إلى كربلاء ، جاء فيها كما في « تحف العقول » :
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ في مَسِيرِهِ إلَى كَرْبَلَاء :
إن هَذِهِ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَتَنَكَّرَتْ وَأدْبَرَ مَعْرُوفُهَا ؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ ؛ وَخَسِيسُ عَيشٍ كالْمَرْعَى الْوَبِيلِ .
ألَا تَرَوْنَ أنَّ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَأنَّ الْبَاطِلَ لَا يُنْتَهَي عَنْهُ ، لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ في لِقَاءِ اللهِ حَقّاً . فَإِنِّي لَا أرَى الْمَوْتَ إلَّا سَعَادَةً وَلَا الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إلَّا بَرَمَاً .
إن النَّاسَ عِبِيدُ الدُّنْيَا ، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى ألْسِنَتِهِمْ ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَائِشُهُمْ ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ . « 1 »
هامش
( 1 ) - أورد خطبة الإمام كلٌّ من ابن شُعبة الحرّانيّ في « تحف العقول » ص 245 ؛ والمجلسيّ رحمه الله في « بحار الأنوار » روضة البحار ، المجلّد 17 ، ص 148 ؛ وفي الطبعة الحديثة ج 78 ، ونقل السيّد ابن طاووس في « اللَهوف » هذه الخطبة عن الإمام عليه السلام في « عذيب الهجانات » وهو أحد المنازل بين المدينة والكوفة وقال : فورد كتاب عبيد الله بن زياد إلى الحرّ بن يزيد يأمره بالتضييق على الحسين عليه السلام ، فقام الحسين عليه