تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
والفناء في دفاعها عن حياتها . وتمتلك هذه الموجودات نفوساً وشخصيّات متفاوتة ، فكلّ منها قد رفع عقيرته بنداء الاستقلال ، ورفع على منكبه علم وجوده الخاصّ . أمّا باطن عالم الخلقة هذا فهو الارتباط المحض لهذه الموجودات مع العوالم المجرّدة اللاهوتيّة والجبروتيّة ، والارتباط الخالص مع الباري تعالى شأنه العزيز ، الذي يفيض عليهم الوجود والعلم والقدرة والحياة من عالم الربوبيّة وصقع الجبروتيّة ، بحيث يحفظ أوراد روضة هذه الماهيّات يانعة طريّة غضّة على الدوام ، وبحيث إنّ ذلك الارتباط لو انفصم للحظة واحدة ، لصار جميع هذا العالم - مع سعته العجيبة وامتداده وتراميه المحيّر للعقول - العدم المحض بحدِّ ذاته ، ولَدُمغ على جبينه بخاتم البُطلان ، أي العدم المطلق من الحياة والوجود وآثارهما ولوازمهما . ويدعى هذا العالم الظاهر : وجه الخِلقة ، بينما يدعى عالم الباطن باسم : وجه الله . والوجه بمعنى المُشير والمُظهر لذات الموجود ، فوجه الإنسان مثلًا هو أفضل وأرقى عضو فيه ، وهو المظهر له ، حيث يعبّر عنه أيضاً بالسيماء . ووجه العمارة هو مظهر واجهة البناية الذي يمتاز بمشخّصات وخصائص معيّنة عن سائر البنايات . ووجه المراكب والسيّارات وسائر الأشياء هو أفضل عضو من الأعضاء المظهرة لتلك المراكب والسيّارات . وهكذا تختلف وجوه هذه الموجودات ، من الإنسان والحيوان فيما بينها ، إذ خُلقت على أساسٍ من الاختلاف . ومن ثمّ فإنّ معيار الاختلاف وميزانه مشهود أيضاً في وجودهها . على أنّ وجه الله الذي أوجد هذه الموجودات وخلع عليها لباس الوجود واحد ، لأنّ الله تعالى واحد ، والحياة والعلم والقدرة التي يُفيضها واحدة ، ولأنّ كيفيّة ارتباط هذه الموجودات مع عالم الباطن واحد .